هل ساهمت الأزمة الاقتصادية العالمية في قلب المفاهيم الأساسية التي كان الجميع ينظر إليها على أنها مبادئ رئيسية لعلم الاقتصاد والمال والإدارة طيلة العقود الماضية والتي جرى تدريسها للطلبة في اعرق الجامعات العالمية؟ وما هي الأحوال التي سيكون عليها شكل الاقتصاد الجديد بعد انتهاء هذه الأزمة؟ وهل حقا أن التبعات التي خلفتها الأزمة أثبتت خطأ الاعتماد على قوى السوق كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية؟

هذه الأسئلة وغيرها باتت تثار على السنة ليس فقط المتابعين للشأن الاقتصادي بل أيضا في أوساط اساطين علم الاقتصاد بعدما اتضح أن غالبية النظريات التي اعتمد عليها هذا النوع من العلم لم تكن دقيقة على النحو الذي صورت به وتضمنتها مؤلفات العديد من خبراء الاقتصاد.

كان الجميع على قناعة بأن قوى السوق الحرة هي الإطار الوحيد الذي يدعم سياسات التنمية الاقتصادية، ولكن الأزمة أثبتت عدم صدق هذه النظرية بعدما لجأت أمريكا الراعي الأول للنظام الرأسمالي للتدخل السريع في السوق من اجل حماية اقتصادها والحيلولة دون انهيار قطاعي البنوك والعقار، وهو إجراء شمل جميع الدول باستثناءات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

لقد كانت الأسواق التي تعتمد على سياسة العرض والطلب هي الأنموذج الأمثل للأسواق الناجحة ولكن انطلاق الشرارة الأولى للازمة العالمية من وول ستريت، وهي السوق الأكثر تطوراً وتحرراً، نسف هذه المقولة رأسا على عقب، كما ساهم فشل المؤسسات المالية العالمية، ومن ضمنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في إطلاق أية إشارات تحذيرية قبل الأزمة في تأكيد حقيقة مفادها أن علم الاقتصاد لا يوفر أداة موثوقة لفهم الأوضاع الاقتصادية.

كما باتت تقارير وكالات التصنيف محل شك بعدما ساهمت في اندلاع الأزمة نتيجة تقييماتها الخاطئة لأصول اعتبرت ذات جودة عالية، ثم اتضح أنها مسمومة، مما أدى إلى مزيد من خلط أوراق علم الاقتصاد وإسقاط القناعات بكثير من نظرياته. هل أصبح هناك حاجة لإعادة صياغة مفاهيمنا الاقتصادية بعد الأزمة؟

nasser_arefa@yahoo.com