كان الله في عون من أصيبوا بحمى الأسهم التي تقلبت بين الأحمر النحاسي والأحمر القاني طيلة الأسابيع الماضية حتى أفقدت البعض صوابه واعتراه الهوس لشدة ما يعاني من الم فبدلت منامه إلى سهر دائم وتفكير فيما سيكون عليه وضع الأسعار في اليوم التالي، فبات لسان حاله يحاكي قول المتنبي بعدما غزت الحمى جسمه:
وزائرتي كأن بها حياء
فليس تزور إلا في الظلام!
على أن حمى الأسهم لا تستأذن بالدخول إلى جسم مريدها ما دام اختارها طواعية ودون إكراه، فأصبح كالزوج الذي حولته زوجته إلى ضحية تتلاعب به كيفما تشاء دونما يكون له حول ولا قوة أمام سطوتها، فما أن يقف على قدميه حتى يغشى عليه من جديد تحت وطأة ضرباتها التي تتركز في غالبيتها على النصف العلوي من جسمه. فإذا خارت قواه لم يجد ما يقول إلا الصرخات التي تعذر بها الشاعر لمواجهة ما يكابد من حبيبته :
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق
نوادر من أصيبوا بهلوسة الأسهم كثيرة هذه الأيام ولا تقتصر على صاحبي الذي ولشدة ما يكابد من الم قرر زيادة الطبيب الذي بادر لفحص ضغطه بعدما طلب إليه الاسترخاء على السرير، عندما اخبره بأنه مرتفع بادره بالقول ...بيع ...بيع ظنا منه انه يتحدث عن السهم الذي يملكه وليس عن مستوى ضغط الدم لديه.
