أقرأ في كتابات الفيلسوف المصري الجليل أبو الوفا التفتازاني. هذا، الذي ولد في قرية ريفية فقيرة شرق القاهرة، وتبوأ أرفع المناصب الروحية في مصر والعالم، قال إن التصوف ليس كما يروّج له أعداؤه بوصفه هروبا من واقع الحياة، بل هو «تسلح بقيم روحية تفيد على مواجهة العالم المادي». ثم أقرأ في حلقات تنشرها صحيفة «الفايننشال تايمز» عن «مستقبل الرأسمالية»، فلا أجد الا مسؤولين تنفيذيين لشركات، كانت إلى وقت قصير تحكم العالم، يتحدثون بلهجة التصوف والمتصوفين.

جاك وولش، لم يكن رئيسا تنفيذيا لشركة «جنرال إلكتريك»، فحسب، ولكنه العراب الرئيسي لفكرة «مكافأة حملة الأسهم». في ذلك اليوم من العام 1981، في فندق برميير بنيويورك، لم يدر كثير أن خطبة ذلك الرجل، خلال حفل جرى آنذاك، ستكرّس نهجا لن تحيد عنه الشركات في الولايات المتحدة، والعالم. ذلك النهج الذي يفترض أن الشركة العاجزة عن مكافأة حملة الأسهم يوتيرة ربعية، أي كل ثلاثة شهور، هي شركة غير موثوقة.

ثم، وعلى مدى أكثر من عقدين، أدمن التنفيذيون والمدراء في الشركات على كل الطرق التي كان بوسعها أن تودي إلى هذه الغاية، قصيرة الأجل، بغض النظر عن انعكاسات هذا التوسع السريع، واتباع أساليب، في بعض الأحيان، مادية صرفة لا تعلي لأي قيمة إنسانية أي شأن ولا تحسب للمحاسبة الذاتية ووقفات التأمل أي حساب، فينتشر الجشع والفساد وتغتني فئة بينما تسحق فئات. ما النتيجة؟

النتيجة أن قادة المنظومة الانجلو ساكسونية، التي آمنت بالرأسمالية، كما لو أنها «عود أبدي» (بالاذن من نيتشيه)، يتجاذبون اليوم، في صالة فاخرة بإحدى ضواحي لندن، حول ما إذا كان يتوجب عليهم المضي قدما بانتهاج ما سبق ورسخوه، ودعموه، أم الانقلاب عليه. ونعود إلى وولش.

الرجل قال، حين سئل عن مدى إيمانه بنظرياته التي طبقها سابقا، أن «تلك كانت أغبى أفكار في العالم، إن قيمة المساهم يجب أن ينظر إليها على أنها النتيجة وليست الغاية بحد ذاتها. لقد أفرطنا بالمادية». يقول التفتازاني إن القيمة الحقيقية للإنسان تتمثل فيما يترك له من أثر أفاد به الناس بعيدا عن الإفراط بعبودية الأنا!

ibrahimt@albayan.ae