كانت مزحة. تلك الجملة التي ختمت بها أمس مقالتي وتساءلت فيها عما إذا كان الأوان قد آن لأن يستشير أكبر نظام اقتصادي ليبرالي في العالم «الرفيق» الاشتراكي فيديل كاسترو حول سبل الخروج من عنق زجاجة أزمة الأسواق الأميركية، وذلك على خلفية التدخل غير المسبوق للحكومة الأميركية في عمل الشركات في سوقها.
كانت مزحة، ووجه الشبه بين «كوبا الأبية» و«الولايات المتحدة الرأسمالية»، العدوتين منذ أكثر من نصف قرن، طرأ على بالي وأنا أشبّه صورة الكوبيين الذين شاهدتهم الأسبوع الماضي خلال زيارتي لهافانا، يصطفون في طوابير لكي يحصلوا على أرغفة الخبز من الأفران، عبر كوبونات تمنحها الحكومة.. شبهتها بطوابير عرفها الأميركيون لأول مرة في الفترة الماضية، فاصطفوا يحملون كوبوناتهم أيضا للحصول على وجبات غذائية مما يعرف ببنوك الغذاء المجمد.
مشهدان متشابهان في بلدين لا يجمع بينهما أي شبه، اللهم إلا هوس رؤساء أميركا بالسيجار الكوبي، والطراز المعماري الذي يميّز مبنى «الكابيتوليوس» الضخم في وسط هافانا، المشابه لبناء آخر في الولايات المتحدة.
في كوبا، الذي تغنى بها منشدو العرب قبل عقود، ووجهوا التحيات إلى نظامها الاقتصادي الاشتراكي الذي خلقته ثورة كاسترو وتشي غيفارا ورفاقهما «الغوريلات» في العام 1959.. تصرف الحكومة معونات اللحم للعائلات التي تضم عجوزا أو طفلا، وفيما عدا عن ذلك فإن «الغذاء الأحمر» لا يعرفه الكوبيون، وليس لديهم القدرة المالية التي تسمح لهم بصرف بعض الوقت في حوانيت القصابين.
شاهدت بؤساً وفقراً وكلاب شاردة والتقيت بأساتذة جامعيين يتقاضون عشرة دولارات راتباً شهرياً، ومهندسين وعلماء يؤجرون غرف نومهم للسواح لكي يكسبوا مبلغ خمسة وعشرين دولاراً إضافياً، يدفعون منها نسبة ثابتة إلى الحكومة! القلعة الحصينة للاشتراكية ليست سوى بناء قديم بالت على حوافه العولمة. هل كانت فعلا قلعة؟ هل أثبتت الاشتراكية فعاليتها كنظام اقتصادي ممكن ومستديم؟
وفي المقابل، كيف يفلت النظام الرأسمالي، مثل نظام الولايات المتحدة، من عقاله، مخلفا خرابا في العالم أجمع؟ وما الذي يضمن عدم تكرار ما جرى، علما أن تداعياته لم تنته، وليس متوقعا لها أن تنتهي في القريب العاجل؟ أسئلة كثيرة، وشخصيا أقترح مرة أخرى قليلا من التأمل في التجربة الألمانية، وربما الصينية، حيث اشتراكية الرأسمالية أو رأسمالية الاشتراكية تشكل درسا بوسع العالم الإفادة منه في محاولة للخلاص من طوابير الخبز.
