غريبة هي الولايات المتحدة الأميركية. تريد أن تأكل الذرة كلها، فيما العالم يجوع، وتنقي أجواءها من ثاني أوكسيد الكربون، فيما الفقراء في العالم النامي «يختنقون» من فراغ معداتهم. تريد أن تعارض اتفاقية «كيوتو» لخفض الانبعاثات الحرارية المتأتية من النشاط الصناعي.
وفي الوقت ذاته تدخر أكثر من ثلث إنتاجها من بعض الحبوب بتحويلها إلى وقود حيوي دعما للبيئة!.. إنه نوع من الانفصام يشبه ذلك الذي توصف به سياستها الخارجية في العالم: نشر الديمقراطية والاحتلال.
وفي الوقت الذي لا تنفك الولايات المتحدة تتهم الدول المنتجة للنفط بشح الإمدادات، ها هي تتسبب في جزء من شح الإمدادات بالحبوب، الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية في العالم بمعدلات تقدرها الدراسات بـ 4% هذه السنة، مضافة إلى ارتفاع مماثل في العام الماضي.
طبعاً، من المجحف اتهام أميركا وحدها بأزمة أسعار الغذاء، فارتفاع أسعار النفط، والقيود التي فرضتها الدول المصدرة مثل الهند وباكستان على تصدير حبوب حيوية مثل الأرز، إضافة إلى القيود التي تفرض من المستوردين على الحبوب الآتية من روسيا، وكذلك ارتفاع الطلب على الغذاء في دول آسيوية على رأسها الصين، مصحوباً بتحسن أنماط الحياة للأفراد وارتفاع ناتجهم..
كل تلك العوامل تساهم في تفاقم هذه الأزمة التي لا يرى الخبراء سبيلا للخلاص من شرنقتها خلال الأعوام المقبلة إلا في حالة زيادة رقعة المساحات المزروعة بشكل يتناسب مع ازدياد الطلب على الحبوب من أجل إنتاج الوقود الحيوي.
الحكاية صارت قصة البيضة والدجاجة: ارتفاع أسعار النفط تدفع الدول إلى التفكير «بنفط» بديل، مثل ذاك المستخرج من الحبوب. الحبوب ترتفع أسعارها بفضل ارتفاعات أسعار النفط وزيادة الطلب عليها. من يحرك من: النفط أم الغذاء؟ حزورة يغرق فيها العالم، وأكثر من يعاني من شيفرتها الغامضة هم الفقراء.
