تلك الصورة.. الأب يدخل إلى البيت حاملا كيس ورق اسمر فيه بيض وحليب وبصل، فيما رائحة الخبز تفوح وتنشي أنوف الأطفال الذين يتنططون من حوله. لطالما طالعنا هذا المشهد في الأفلام والمسلسلات التي تصور الناس يتبضعون من محال صغيرة، يعرفون أصحابها، يمازحونهم، وأحيانا يسرّون إليهم بحكايات شخصية ويخرجون ساهين عن دفع الحساب.

الحساب ليس كل المسألة، وتكفي ورقة صغيرة يدوّن عليها صاحب المحل قيمة المشتريات، حتى يطمئن أن «حقه» محفوظ، فالتعاطي يكون بالثقة والعشرة والمعرفة لا بال«كريدت كارد» أو ال«سكيوريتي شيك».. تلك الصورة عاطفية بعض الشيء، في زمن أضحت فيه متاجر التجزئة «الجامبو» في كل مكان. تليق الصورة أكثر بالأفلام، في واقع بات الأخ يتعامل مع أخيه بأوراق مصدقة وممهورة ومسجلة لدى الجهات الضامنة.

لكن من قال إن «النوستالجيا» لا تفيد اقتصاديا؟ وأي استفتاء اليوم بين الجمهور يظهر أن الغالبية لا تزال تحن إلى التبضع عبر المحال الصغيرة، التي يفاجئنا بعضها أحيانا بما يمكن ان يحتويه من منتجات منوعة قد لا تجدها في متجر التجزئة الضخم المحلق بالـ «مول». يشعر الإنسان دوما بالأمان لدى تحركه في أمكنة محددة، لا يحتاج إلى أن يهيم فيها تائها وحيرانا.

المفاجأة أن تقريرا صدر أول أمس عن غرفة دبي يثبت هذا السلوك «النفسي» وبالأرقام. ويشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من أصل أكثر من 84 ألف شركة تتمتع بعضوية نشطة في غرفة دبي، وتعمل في قطاع التجارة، هي من المحال الصغيرة التي تقدم خدماتها إلى أناس يشترون أنواع وكميات محددة من السلع.

ويشير التقرير إلى أن هذه المحلات، التي يتركز جزء كبير منها في الأسواق التقليدية والمناطق الصناعية، تشكل تجربة كمية تفوق التجارب المطبقة في بلدان متقدمة اقتصاديا مثل سنغافورة. فمقابل كل ألف سنغافوري هناك فقط 7 مؤسسات تجارية من هذا النوع، ومقابل كل فرد في دبي هناك 40 مؤسسة. نعرف جيدا أن الاقتصاد الناجح لا تديره فقط شركات عملاقة، بل صغيرة ومتوسطة، وهو ما يتحقق في دبي اقتصاديا و«عاطفيا»!.

ibrahimt@albayan.ae