كانت لهجة «التهكم» واضحة في مقالتي أمس حين استخدمت لفظ «معذورين» في توصيف المرتشين. وأعتذر من القراء الذين فهموا أنني أردت، بالفعل، التماس الأعذار لهم، وكل ما جاء في سياق المقالة يبيّن عكس ذلك. وبعضهم اتصل يقول:» المرتشي آفة مجتمعنا، ويجب أن نفتح أعيننا على وسعها لملاحقته والتبليغ عنه».

والبعض الآخر ذهب إلى أكثر من ذلك بالمطالبة بوجود «خط ساخن» للتبليغ عن حوادث التعرض لابتزاز المرتشي، على غرار الخطوط الساخنة المفتوحة للتبليغ عن حوادث المرور أو التعرض لأملاك الدولة في الطرقات. الرشوة حالة «طارئة» وتحتاج فعلا إلى خط ساخن.

اتصالات كثيرة وردتني، بعضها يشيد والبعض الآخر، وهذا الأهم، يسأل «من المقصود؟». وأقول أنني لم اقصد «جهة» بعينها، ولا «شخصا» بعينه، وإنما تحدثت عن آفة اجتماعية اقتصادية قد تهدد حياتنا ان تغاضينا عنها. لكنني أتوقف هنا عند اتصال وردني من سيدة إماراتية عرّفت عن نفسها هكذا:» أنا أم، وقرأت مقالتك هذا الصباح. وشعرت بالخوف من المستقبل.

الخوف على أولادي من الانغماس في قيم المجتمع الاستهلاكي والمادي، حد التورط. أن يظهر من بينهم مرتش أو راش، فهذا أصعب ما قد اواجهه في دنياي. إنني أربي أبنائي على قيم الحق والفضيلة في مجتمع بات مفتوحا على كل شيء، وأحرص الا يأكلون النار في بطونهم، كما ذكرت. فما العمل؟».

وأنحني أمام قلق الأم، وكل أم، وحرصها على مستقبل الأبناء. وكان عليّ أن ألجأ إلى كتاب بعنوان «سيكولوجية المال» للدكتور أكرم زيدان، صدر حديثا عن «عالم المعرفة الكويتية»، علني أجد فيه إجابة شافية، خاصة أن الكتاب يقدم مقاربة نفسية وتربوية لعلاقة البشر بالمال:» على الوالدين أن ينميا لدى الطفل منذ صغره الشعور بلذة انجاز العمل الجيد، لا بلذة المكافأة على انجاز أمر ما.

وأخطر ما يقوم به الوالدان هو تقديم المكافأة للطفل لانتهائه من نشاط غير مرغوب به، فيتعود على أن السلوكيات المنفرة هي التي تؤدي للمكافآت وهذا ينمي لديه في المستقبل سلوك الرشوة..». واكتفي بهذا القطع، على أمل ان تجد كل الحكايات والإجابات حول الرشوة مكانا لها على أثير «خط ساخن»!.

ibrahimt@albayan.ae