اتصلت بي إحدى القنوات التلفزيونية راغبة بمحاورتي عن الصداقة. وتساءلت: وما دخل الاقتصاد بذلك؟ ثم تبيّن لي بعد برهة تفكير أن قوانين الاقتصاد تحكم كل شيء، بما فيها الصداقة. وتذكرت حالة «التضخم» التي عشتها قبل سنوات، حين كنت أمتلك عددا جما من الأصدقاء، اتضح لي مع الوقت أن غالبهم لا يتمتع بأي «قوة شرائية»، أي انه مستعد أن يبيعك ولا يشتريك.. «وقت الضيق».

لذا قررت، وبعد سلسلة من الانتكاسات النفسية، وتراجع أسهم كثير من هؤلاء في بورصتي القلبية، أن ألجأ إلى فك الارتباط نهائيا بهم، واستعيض عنهم بخيار «سلة أصدقاء»، منتقاة جيدا ومنوعة. فعرفت الانجليزي والنمساوية، وتصادقت مع الإماراتي واليابانية، وتبادلت الرسائل على «الفيس بوك» مع الهندي والسنغافورية.

التجربة نجحت، وكان أن تحررت من قفص الصداقات التي من «عملة واحدة»، وشعرت أنني أكثر أمانا. ثم إن الصداقة الحقيقية هي أن يعي الصديق مزاج صديقه ويتقبله. وهذا يبدأ اختبارا لعمق الصداقة، ويصبح تمرينا على «هضم» ذلك المزاج، مهما كان صنفه، إلى أن ينتهي الأمر بالتعامل معه كسمة أساسية من سمات العلاقة.

ووجدت لي، وأحمد الله على ذلك، أصدقاء ثابتين، ظلوا بي محيطين، في حالات «الانكماش» أو «الكساد» أو غيرها من الحالات النفسية «المنفرة»، وإن كان كل منا معرضاً لخطرها. وبمرور الوقت، صرت أقل طلبا على صنع صداقات بشرية جديدة، وزدت في المقابل على طلب الصداقات الورقية، والموسيقية، والسينمائية، فصار لي مع الكتب صداقات موثقة، وهذه أفضل جليس كما يقال.

كما صادقت عددا كبيرا من أشرطة «الدي في دي» التي تحمل أفلاما من البرازيل إلى كوريا الجنوبية. واكتشفت أن ديزل الصداقة، ليس في التلاقي المتكرر مع الصديق، وإنما هو في «الاحتراق» شوقا إلى صديق تحول بينك وبينه مسافات أو ظروف عمل وملاهي الحياة. أما وصفة الصداقة الناجحة فتكمن، برأيي، في «تحريرها» من سيطرة الأنانية ورغبة التملك وافتقاد الصدق.

ibrahimt@albayan.ae