أتعاطف مع عبدالله البدري الأمين العام ل« أوبك»، وأتخيّله مضطراً إلى ابتلاع حبوب تليين عضلات الحلق كل مساء، فالرجل قد بحّ صوته لفرط ما ردد الجملة ذاتها يوميا، وعلى مدى الأسابيع الماضية:« أي زيادة في الإنتاج لن تلجم أسعار النفط من الارتفاع».
لكن مجلس النواب الأميركي لا يهتم في واقع الأمر ب«حلق» البدري، ولا حتى بصوته، وهو أقر من يومين تشريعا يسمح للولايات المتحدة الأميركية بمقاضاة دول «أوبك» بسبب ارتفاع أسعار النفط. ومن جهة أخرى، وصف رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ممارسات «أوبك» ب« الفضيحة».
وفي واقع الأمر، لا يمكن وصف سلوك مجلس النواب الأميركي بغير كلمة واحدة:« المزحة» (بالأذن من الروائي التشيكي ميلان كونديرا صاحب الرواية الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته). ولن أخوض في النواحي التقنية والقانونية التي تبرهن أن مشروع المجلس ميت قبل أن يولد، فللقراء متسع من التحليل «في واجهة» عددنا اليوم، إلا أنني أتوقف عند الميكانيزم الذي قد يدفع مجلس النواب الأميركي إلى هذا النوع من «المزاح» عادة. إنها الحاجة دوما إلى «الغول».
يجب على المواطن الأميركي ان يشعر أن أي ارتباك يعاني منه في يوميات حياته مرده «مؤامرة خارجية». واذا انكسرت عربة جز العشب في مزرعته، أو ثقبت قبعة القش على رأسه، أو لم يعد بوسعه ملء فوهة البنزين في عربة الفورد خاصته حتى النهاية واصطحاب العائلة الى نزهة جميلة.
فوراء ذلك كله «عدو» متربص. إن إقحام «اوبك» في قاموس «أعداء الشعب الأميركي» الملاحقين والمطلوب مقاضاتهم، ليس سوى «مزحة» سمجة تزج بمنظمة منتجي النفط في جو من التوتر لطالما سعت أن تنأى بنفسها عنه، منذ أزمة 1973.
أما براون، الذي يواجه تحدي إعادة بناء الثقة بالحكومة وجذب الناخبين إلى حزب العمال لولاية رابعة في الانتخابات المقبلة، فتراه مضطرا إلى «غواية النفط»، يستخدمها لجذب الشعب حوله. وحدها المضاربات وانهيار العملة الخضراء ومخاوف تضخم الاقتصاد الأميركي هي العوامل المسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط، وليس أوبك. وأضم صوتي إلى البدري.. وان بحّ صوته!.
