تساءلت أمس إن كان يتوجب علينا إعلان موت «المسؤولية الاجتماعية للشركات» (سي أس آر)، باتهامها بأنها مجرد «رياء لخدمة العلاقات العامة»، كما وردني من أحد القراء «المتحمسين». غير أن تعليقا آخر اعتبر أنه من «التجني وغير المنطقي اتهام الشركات بالخداع نتيجة إظهارها، ولها الحق في ذلك، عملها الداعم للمجتمع، عبر وسائط الإعلام».
وما قصدته لم يكن دعوة لقتل هذا المفهوم، بوظيفته وروحه، وإنما موت المصطلح ذاته. والجدل يحتدم اليوم غربا حول هذه النقطة، وهناك مطالبات بإسقاط كلمة «اجتماعية» كونها فضفاضة أكثر مما ينبغي أو محدودة أكثر مما ينبغي، وترك فقط «مسؤولية الشركات»، أو استبدلها بمصطلح آخر هو برامج «دعم الأرباح».
وهذا الإبدال ليس بالمعيب، بل هو منطقي ويحترم العقل، بعيدا عن الإثارة و«الاكشن». فالأرباح هي هم الشركات والمساهمين والموظفين والعملاء، والمجتمعات المنهارة وغير المستقرة هي أراض عاقرة بالنسبة إلى تلك الشركات. ومع معدلات النمو الاقتصادي الهائلة التي تتمتع بها الأسواق الناشئة، أصبح من واجب الشركات، وهي تشن «هجوما» تشغيليا في تلك الأسواق، دعم التعليم والعمل الحر والتغذية الجيدة، ليس حبا في العمل الخيري، وإنما إنفاقا للأموال بطريقة جيدة تدعم نمو الأرباح.
والأمر ذاته ينطبق على خفض استهلاك الكهرباء وتقنين عمليات التعبئة والتغليف. حتى في البلدان المستقرة اقتصاديا، فإن الرأي العام مستعد لأن يقلب الطاولة في وجه الشركات إذا لم تثبت أنها «مقبولة» من مجتمعها.
وقضايا الأغذية المعدلة وراثيا وأسعار أدوية الايدز الذي تصدره الشركات العملاقة إلى الأسواق الأفريقية، أبلغ مثال على حيوية الرأي العام الذي يظهر في كل مرة استعداده لقطيعة مع الشركات التي لا تراعي مجتمعاتها.
باختصار، البرامج المسماة «اجتماعية» هي في الجوهر برامج «دعم للأرباح» وليست عملا خيريا. فهذا إن قدمته اليد اليمنى لا ينبغي على اليسرى أن تدري به.. لا أن «يطوف» على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد!
