يمثل الجانب النمطي في الأداء الخدمي الحكومي أحد أهم معوقات نجاح الحكومة الإلكترونية، وهو ما يجب أن نواجهه ونتكلم عنه بصراحة وشفافية؛ فلهذا الجانب ملامح عدة أهمها بقاء كم كبير من الإرث التقليدي في الأداء الحكومي المبني على الزيارات الشخصية للعميل إلى مقر الدائرة، وتقديم المستندات التي يكرر العديد منها بعضه بعضاً، ووجود العديد من الخدمات اليدوية في جوهرها والإلكترونية في ظاهرها، مثل تلك التي يقدم صاحب المعاملة طلبه فيها عبر موقع الدائرة الإلكتروني لكن يجب عليه أن يزور مقرها الفعلي لتقديم هويته الشخصية مثبتاً أنه هو ذاته الذي قدم الطلب الإلكتروني.
هذا الإرث اليدوي له آثاره المعرقلة للعديد من ضروريات التحول الإلكتروني؛ وأهمها تأخير التوثيق والأرشفة، ورفع تكلفة الاندماج بين الإجراءات والأنظمة المعلوماتية.
ملمح آخر للنمطية في الأداء الخدمي الحكومي ما زالت بعض خيوطه واضحة في دوائرنا المحلية، يكمن في عدم نضوج التكامل الإلكتروني في المعلومات والإجراءات بين الدوائر، ولا تزال بعض الجزر الإلكترونية عصية على تمديد جسور التواصل الإلكتروني بينها وبين الدوائر، على الرغم من أن منصة التكامل الإلكتروني المركزية لحكومة دبي الإلكترونية قد تجاوز عمرها العامين ونصف العام تقريباً.
هذه الجزر تتحمل مسؤولية مباشرة لجهة تأخر إطلاق مشروع كاد يطويه النسيان، في حين أنه كان من أوائل المشروعات التي بشرت بها الحكومة الإلكترونية وهو «الجواز الإلكتروني» الذي يسمح للمستخدم بأن يمتلك اسماً واحداً، ورقماً واحداً، يتجول به إلكترونياً في كافة الدوائر لإنجاز معاملاته التي تتحول إلى حزمة موحدة، وفاتورة موحدة، ومعاملة موحدة، ترتقي بالأداء الحكومي إلى الحكومة الشاملة الموحدة؛ ليتعامل معها المستخدم عبر قناة اتصال موحدة.. وحتى يحدث ذلك لا بد من ضرورة تجسير الجزر الإلكترونية وفتح قنوات التكامل الإلكتروني لتتدفق المعلومات الحكومية حيثما تتطلب إجراءات المراجعين.
يبقى الملمح الأكبر والأهم في نمطية الأداء الحكومي التي تؤخر نجاح الحكومة الإلكترونية وهو الفجوة الكبيرة بين المستخدمين والخدمات الإلكترونية، لاسيما قطاع الأفراد؛ إذ يسود عدم الوعي وضعف الخبرة في التعامل مع القنوات الإلكترونية في إجراء المعاملات، خاصة في ما يتعلق بالدفع الإلكتروني، ولا تزال ثقافة «وجهاً لوجه» هي المسيطرة على نفسية المراجعين الذين تغيب عنهم الثقة في التعامل مع الحكومة عن بعد.
الخلاصة
تتشابه الدول العربية في ما بينها على الصعيد السياسي والظروف المجتمعية والثقافية، كما تتشابه العوائق التي تعترض مبادراتها في مجال الحكومة الإلكترونية، لكن على الرغم من هذه الخصائص المشتركة فإن لكل دولة خصوصياتها السياسية والتشريعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر بشكل مختلف في عرقلة الجهود المبذولة لتطوير تلك المبادرات.
ولتفادي الإخفاق في مجال الحكومة الإلكترونية لا بد من السعي للوصول إلى «التركيب الأمثل» محلياً بين عوامل عدة، منها: توافر التزام حقيقي من القيادة، ورؤية شاملة ومتكاملة بين المؤسسات الحكومية، مع وضع الخطط المناسبة وردفها باستراتيجيات استثمارية موافقة، يدعمها إطار قانوني، وحملات عملية لتوعية الجماهير، وسياسة حازمة لتأهيل العاملين في القطاع الحكومي والمجتمع عموماً. وسيختلف هذا «التركيب الأمثل» ما بين العوامل المذكورة بشكل جلي من دولة لأخرى حسب خصائصها المختلفة. ولتخطي الفشل والأخطاء المتكررة في هذا المجال لا بد من التسليم بأن لا وجود لطريقة مُثلى لتطبيق الحكومة الإلكترونية.
دبي نموذج
نختتم مقالاتنا الثلاثة بالتفاؤل؛ فقبل سبع سنوات فقط لم يكن لمفهوم الحكومة الإلكترونية عندنا وجود، ولكن برؤية راعي المبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، وعزم وتصميم الكوادر المخلصة في جميع الدوائر الحكومية أصبح التحول الإلكتروني هو الأساس وهو النمط السائد في ذهنية صاحب القرار قبل التخطيط لأي مشروع.
وكلنا ثقة بأن تحقق دبي نموذج الحكومة الإلكترونية الناجحة على رغم ما ذكرناه من عقبات، وما من شك في أن البناء على الخبرة التي اكتسبتها دبي في هذا المجال من شأنه أن يقلل من إمكان تكرار الأخطاء إلى أبعد حد. ولطالما أعلنت دبي أنها تضع خبراتها تحت تصرف أشقائها في الوطن العربي لتكون «بيت الخبرة» لكل العرب. ونحن بالتأكيد لن يأخذنا الفخر بعيداً عندما نسمع بأن «دبي هي النموذج للقيادة الإلكترونية في هذه المنطقة من العالم»، مقولة لم نبتدعها نحن، إنما قالها البروفيسور ناجي حنا الخبير الدولي في التحول الإلكتروني، وعضو رئيس في جامعة ميرلاند، خلال لقاء أجرته معه إحدى المجلات.
