استوقفني طويلاً ما طالعتنا به صحفنا المحلية في نهاية شهر فبراير حول رفض شهادات المنشأ الصادرة عن غرفة تجارة وصناعة دبي، بحجة أنها شهادات إلكترونية ولم تعتمدها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.

صحيح أن البضائع المحتجزة في المنافذ الحدودية قد أفرج عنها بعد نحو أسبوع نتيجة مباحثات عقدت في المملكة بين ممثلين عن غرفة دبي والهيئة الاتحادية للجمارك في الإمارات وبين مصلحة الجمارك السعودية، وأثمرت عن قبول الأخيرة تلك الشهادات بعد تصديقها وتوقيعها من غرفة تجارة وصناعة دبي، إلا أنه لم يتم الاعتراف بشهادات المنشأ الإلكترونية بشكل قاطع.

من المسلم به أن هذه الشهادات الإلكترونية لا تصدرها غرفة دبي من العدم، فهي نظامية ومستوفية الشروط والمعلومات، إنما تصدر بصورة إلكترونية تسهيلاً للحركة التجارية وتوفيراً لوقت رجال الأعمال، ولا ذنب لنا إن كانت حكومة دبي الإلكترونية الأولى في منظومة الحكومات الإلكترونية في المنطقة من حيث النشأة.

ما حدث جعلني أشعر بالقلق على حصاد سنوات سبع من مسيرة حكومة دبي الإلكترونية أثمرت ما يزيد على 1700 خدمة إلكترونية متنوعة، صمم بعضها للاستفادة منه في أثناء وجود الأفراد في الخارج، من دون أن يغيب عن ذهني المشوار الطويل الذي قطعته السعودية نفسها في هذا المجال أيضاً. استرجعت سؤالاً أصبح عالميّ الطابع خلال السنتين الماضيتين، وكثيراً ما يطرح؛ ومفاده: هل فشلت الحكومة الإلكترونية؟

لا أنكر أن الجدل بشأن فاعلية مشروعات الحكومة الإلكترونية صار محور ملتقيات عالمية عديدة، بينما تتزايد الدراسات، العالمية أيضاً، المتحدثة عن أسباب التعثر أو الفشل. واستناداً إلى العديد من الدراسات فقد أظهرت التقارير نتائج مخيبة للآمال لأداء الحكومات الإلكترونية، حيث لم يتكلل بالنجاح سوى عدد محدود منها.

ويعزى ذلك إلى أسباب عدة، منها: عدم وجود خطط وطنية استراتيجية على أرض الواقع، ونقص الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشروعات التحول الإلكتروني، وضعف التطوير في التجارة الإلكترونية، وندرة استخدام الشهادات الإلكترونية، وعدم اقتناع بعض موظفي القطاع العام بالحكومة الإلكترونية وفوائدها، بل التعامل معها على أنها خطر يهدد وظائفهم.. والسبب الأهم هو عدم معرفة الجمهور بالخدمات الإلكترونية أو عدم التفاعل الكافي معها.

أمام ذلك القدر الكبير من الإخفاقات المتكررة لمشروعات الحكومة الإلكترونية عالمياً وعدم نجاح العديد من مبادرات الحكومات الإلكترونية العربية خاصةً، بالوفاء بكثير من الوعود التي قطعتها على نفسها، لجأ كثيرون من أنصار هذه المبادرات إلى تخفيض سقف توقعاتهم.

لست هنا بصدد التشهير أو التقليل من أهمية النجاحات والإنجازات التي حققتها تلك المبادرات في الوطن العربي في بعض جوانبها، خاصة وأنني بحكم منصبي على تواصل دائم مع مديري تلك المبادرات، وعلى اطلاع تام بالمراحل المتقدمة التي وصلوا إليها على الرغم من التحديات. وأزعم أن الإجماع لا يزال واسعاً على أن مبادرات الحكومة الإلكترونية قادرة على تحقيق الأهداف الموعودة إذا ما توافر فهمٌ أفضل للعوائق والتحديات التي اعترضت نجاحها حتى الآن.. وسأكتفي هنا بذكر تحدٍ عام، وآخر على المستوى المحلي.

التعلم من الأخطاء: مع أن معظم تجارب الحكومة الإلكترونية في القطاع الحكومي تحتمل نسبة مرتفعة من الفشل بسبب حداثة هذه التجربة، إلا أنه لا ينبغي التخفي وراء محاولة حفظ ماء الوجه كي لا تتراكم الأخطاء من جديد لتأتي بنتائج كارثية؛ وهو ما تمارسه معظم الدول العربية.

ففي المجتمعات العربية، عموماً، يتم النظر إلى التغييرات الجذرية كتلك التي تستدعيها مبادرات الحكومة الإلكترونية، على أنها مخاطر عوضاً عن اعتبارها فرصاً يمكن استثمارها. ولذلك ينبغي تعزيز ثقافة التعلم من الفشل حين وقوعه والاعتماد على آليات لإدارة المخاطر تأخذ في الاعتبار هذه النظرة السائدة عربياً، لتتمكن الحكومات الرسمية من تحويل إخفاقات الحكومات الإلكترونية إلى نجاح.

الجزر الإلكترونية المحلية: ثمة سبب آخر لا يقل أهمية عما ورد سابقاً، وحتى أكون أكثر إنصافاً وموضوعية أقول بشفافية إننا ما زلنا هنا في تجربة حكومة دبي الإلكترونية نعاني من وجود الجزر الإلكترونية بين بعض الدوائر المحلية من ناحية، وبين الدوائر المحلية والوزارات الاتحادية من ناحية أخرى، ما يمثل تحدياً حقيقياً أمام تربعنا على قمة المرحلة الخامسة (الحكومة الإلكترونية المتكاملة)، على الرغم من بعض الإنجازات هنا وهناك؛ وآخرها نظام التصاريح الإلكترونية، لكنها تبقى غير كافية ونتطلع إلى المزيد.

لا أقول هذا الكلام من باب جلد الذات، لكن استوقفني رقم في آخر تقرير للأمم المتحدة للعام 2008 حول التقدير الذي حصلت عليه الإمارات في المرحلة الخامسة (الحكومة المتكاملة)، والذي بلغت نسبته 37% فقط، في حين حصلت في التقرير نفسه على مراحل متقدمة جداً في فئات أخرى من التحول الإلكتروني سابقةً دولاً عالمية معروفة.

أقول إن هذا الرقم يدق جرس تنبيه بضرورة تجسير الجزر الإلكترونية وفتح قنوات التكامل الإلكتروني لتتدفق المعلومات الحكومية حيثما تتطلب إجراءات المراجعين، وهذه الضرورة ليست من أجل تلبية متطلبات تقييم الأمم المتحدة، بل أساساً لأن التجسير جزءٌ رئيس من الاستراتيجية الاتحادية لدولة الإمارات.

تصحيح المسار: أخذ الجدل بشأن فاعلية مشروعات الحكومة الإلكترونية حيزاً كبيراً من نقاشات المنتدى الاستراتيجي العربي الذي عقد في دبي العام الماضي، وفي أحد اللقاءات ناقش عدد من الخبراء أسباب تعثر بعض مشروعات الحكومة الإلكترونية في المنطقة والعالم.

ولعل أكثر ما لفت النظر في إحدى أمسيات المنتدى الاستراتيجي هو تلك الدراسة التي أعدها معهد أكسفورد للإنترنت بجامعة أكسفورد البريطانية، والتي تضمنت رؤيتها لمعوقات الحكومة الإلكترونية في أوروبا. ربما لا تختلف المعوقات الأوروبية كثيراً عن نظيراتها في الواقع العربي، لكن الفرق الجوهري يتمثل في منهجية التعامل مع تلك المعوقات.

وكُشف النقاب وقتها عن مشروع يمتد إلى 3 سنوات يموله الكيان السياسي للاتحاد الأوروبي، بهدف تحديد تلك المعوقات وتذليلها وصولاً إلى حكومة إلكترونية أوروبية فاعلة، وأنيط إنجاز هذه المهمة بجهات الاختصاص المتمثلة في مجموعة من الجامعات العريقة وشركات الاستشارات والخبراء.

اللافت للنظر هنا أنه يتوافر إدراك بوجود مشكلة، وهناك إرادة سياسية جماعية لمواجهتها واتخاذ القرارات المناسبة؛ هناك إقرار بالفعل بتعثر مسار التحول باتجاه الحكومة الإلكترونية، ولكن هناك تصحيح للمسار أيضاً.

ما أحوجنا نحن ـ في الإطارين الخليجي والعربي ـ إلى مشروع من هذا النوع، خاصة بعد قصة رفض السعودية شهادات المنشأ الإلكترونية التي ذكرتها في البداية. إننا بحاجة إلى تجسير الفواصل بين مشروعاتنا الإلكترونية، واستثمار ما أنجزنا من خدمات إلكترونية، لنكون أول من يسهم في ردم الفجوة بين تلك الخدمات وجمهور المستفيدين منها، حتى تصبح مفاهيم الحكومة الإلكترونية واقعاً معاشاً يسهل حياة الناس، لا مجرد نظريات جامدة.

وثمة أمر آخر.. ففي السنوات الأخيرة كان للأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي قرارات عديدة أثبتت من خلالها إدراكاً عميقاً ومسؤولاً لمعايير الحداثة ومتطلبات العصر، وفي مقدمتها ما يتعلق بالتحول نحو الإدارة الإلكترونية لشؤون الحكومة وعلاقتها بالناس؛ وتجلى ذلك من خلال قيام الأمانة نفسها بتأسيس كل من لجنة الحكومة الإلكترونية، ولجنة البطاقة الذكية، ولجنة التجارة الإلكترونية، ولجنة قانون المعاملات الإلكترونية..

وغيرها من اللجان وفرق العمل المتخصصة. والسؤال المطروح الآن هو: أما آن الأوان لتفعيل عمل تلك اللجان، حتى لا تتكرر قصة الجمارك السعودية وتذهب إنجازات حكوماتنا الإلكترونية سدى؟

ـ مدير الخدمات الإلكترونية في «حكومة دبي الإلكترونية»