ليس المألوف في عالم الأعمال البقاء على القمة واستمرارية النجاح المتصاعد، بل العكس هو الصحيح، فالسقوط المدوي كثيراً ما يكتنف مصير المؤسسات التي تصل لقمة هرم النجاح وفي أفضل الظروف يكون التآكل البطيء حال أفضل السيئين منها!

إن المؤسسات كثيرة الشبه بالأفراد، فحماسها للتطور وتخطي الآخرين والحصول على حصة سوقية أكبر من منافسيها وصولاً لأن تكون الرقم الأصعب في السوق يكون أكبر بكثير من ذلك «المتبقي» من الحماس عندما تصل لتلك الأهداف وتحقق مبتغاها في عالم الربحية والتوسع، رغم أن المفترض أن يكون الاندفاع أكبر للمحافظة على ما تحقق في عالمٍ لا يعترف إلا بالمفكر المجتهد والذي يعلم وجهته تحديداً ولا يخلط كالكثير بين الوجهة والمسار وبين الغاية والمؤديات لتلك الغاية،

والأهم من ذلك أن لا تنسى ما ميّزها كمؤسسة عن البقية والمؤسسات لا تحقق انتصاراتها في عالم الأعمال ولا تتفوّق على قريناتها بكبر رأس مالها أو كثرة عدد موظفيها أو مكاتبها الفخمة أو توسعها الجغرافي، فما يخلق الفارق للمؤسسة هو منتجها المميز والمتفرّد عن نظرائه لتميّز بيئتها الداخلية وانفتاح نوافذ التجديد على مصراعيها، كما تفعل أبل حالياً بسلسلة الآي بود والآي ماك وكما تصنع جونسون آند جونسون بمنتجاتها المختلفة وذكائها في تملّك علامات تجارية مكمّلة،

ومثلما تصنع مرسيدس بالتركيز على السيارات الفخمة والتي أصبحت قرينة لعلامتها الشهيرة وذات الأمر ينطبق على مايكروسوفت واهتمامها الثابت بما حقق لها التفوق في السابق والتوازن في الحاضر بين مثيلاتها من شركات البرمجيات من خلال نظامها التشغيلي «ويندوز» وتطويرها الدائم له، ولولا «ولائها» لسبب نجاحها لفقدت هذه الشركات ولاء عملائها لها!

إنّ إكسير النجاح يوجد في فضاء الإبداع والتجديد وليس التقليد ومحاكاة الفائزين والتي وإن نجحت أحياناً كاستراتيجية إلا أنها لا تدوم كثيراً لأن ثقافة التقليد معقدة للغاية فهي لا تتبنى توجّهاً ثابتاً بل هي دائمة التحوّل لنيل جزء من كعكة السوق دون تركيزٍ على هدف واضح ورؤية محددة تستطيع أن تخلق ثقافة مؤسسية واضحة المعالم يستطيع المبدع فيها أن يُحلّق بأفكاره من أجل تحقيق الرؤية المشتركة بينه وزملائه، فالإبداع في رأيي لا يمكن اقتباسه بتبنّي فكرة باهرة بل هو نتاج تبنّي الموهوبين واتاحة الفرصة أمامهم دون تقييدهم بأطر بيروقراطية مقيتة أو مبالغة في تقديس ما يُسمّى بأفضل الممارسات!

ومن أقسى ما يُصادف المرء أن يجد مؤسسة عظيمة تتخبّط بغرابة وتتهاوى رغم تراميها طواعيةً على مباضع الاستشاريين وتغييرها الدائم لإدارتها العليا غافلة أنّ سبب ذلك الترنّح هو نسيانها لعنصر نجاحها الأهم في السابق ألا وهو الإبداع والتجديد في المنتجات الناشئ من تميز بيئة العمل الداخلية،

فكم كان محزناً أن نقرأ في الوول ستريت جورنال الأسبوع الماضي أن فورد والتي نافت خسائر الربع الثالث على الخمسة مليارات دولار والتي يُتوقّع أن تجاوز الثمانية مليارات ونصف بنهاية الربع الرابع وبدلاً من بحثها عن توجهات المستهلكين يخرج علينا أحد مسؤوليها ليراهن على عودة الشركة للربحية بمراهنتها على فولفو.. الفاشل الآخر!

و غير بعيد عنها في ديترويت أيضاً عاصمة السيارات في العالم يقبع فاشل ثالث اسمه جنرال موتورز.. اسمٌ كانت تهتز له الدنيا قبل أن يتخبط بقرارات الفلاسفة والمراهنين على السراب وتٌكمّم أفواه الناصحين ، عندما أعلنت منذ أيام قلائل انّ خسائرها للربع الثالث بلغت 115 مليون دولار وليصرّح المتحدث الرسمي للشركة أنّ ذلك يثبت «فائدة» خطة الإصلاح بالشركة..

وكم هو رائع ذلك الإصلاح والتغيير الذي يجعل الشركة تواصل خسائرها المالية وتتقلّص حصتها السوقية إلى 9,13 من 4,14 لنفس الفترة من العام الماضي لا لشيء إلا لمراهنتها الساذجة على سراب عودة المستهلكين لشراء سياراتها الكبيرة والتي مازالت تُصنّعها بكثافة رغم السقوط المدوّي للطلب عليها والذي يتوقع المحللون أن يزداد سقوطه مستقبلاً إلا في أحلام ريك واغونر وإدارة جنرال موتورز!

ورغم مراهنتهم على تخفيض ثلث عمال الشركة واغلاق اثنا عشر مصنعاً ودور ذلك في التعافي المالي غير متفهمين أنّ الشركات تُقلّص عمالتها لتتقي خطر الإفلاس ولكن سبيل الربحية الوحيد هو الابتكار والتجديد وهما الكلمتان اللتان سقطتا من قاموس جنرال موتورز منذ رحيل روجر سميث!

ربما يبقى موجّه تصرفات بعض القائمين على هذه المؤسسات تلك المقولة القديمة في تكساس والتي تقول: «ليس مهماً كم تُريق من الحليب مادمت لم تفقد بقرتك! » فلا مشكلة في الخسائر مادامت الشركة موجودة ومتماسكة، لكن ماذا لو ماتت البقرة وترنّحت الشركة لانحسار الطلب عن منتجاتها فهل سيفيد البكاء في استعادة الحليب المسكوب عبثاً ؟

ولماذا مازالت جنرال موتورز مثلاً تراهن على ما كان يركبه الأميركان لا ما أصبحوا يركبونه حالياً ؟ ما فائدة إدارات البحوث والتطوير لديها إن كانت لا تستوعب توجهات السوق ؟ يحدث ذلك وهي ترى أمام عينيها منافستها اللدود تويوتا تُحقق زيادة في أرباحها «الصافية» بنسبة 34% في الربع الثاني من يوليو حتى سبتمبر وأين ؟ في الأسواق الأميركية تحديداً ومن خلال بيع السيارات الصغيرة على وجه الدقة!

ولترفع توقعاتها لأرباحها بنهاية الربع الرابع في مارس إلى 14,13 مليار دولار! ماذا يريد واغونر أكثر ليفهم! وليته إذ لم يفهم استمع لتاكيشي سوزوكي المدير التنفيذي بتويوتا إذ يقول في تصريح بعد إعلان هذه النتائج الأحد الماضي: «التحدي الأصعب هو كيف نحافظ على الجودة، وكيف نصنع سياراتٍ منافسة وبأسعار في متناول المستهلك! »

ويقول ايريك هوفر: «في عالمٍ متغيّر، يبسط دائمو التعلّم سيطرتهم، بينما يجد الذين تعلموا أنفسهم مهيئين بصورة جيّدة لعالم لم يعد موجوداً! » فما كان يصلح بالأمس لا يصلح هذا اليوم، وما كان سبباً للنجاح في الماضي فهو في الكثير من الأحيان سبب الفشل في الحاضر،

فعالمٌ جديد بمعطياتٍ جديدة وظروف سريعة التقلّب وزبائن كثيرو الطلبات تحتاج لمؤسسات ذات تفكير مختلف ومرونة عالية في التكيّف مع معطيات السوق، فلهذه المؤسسات سيدين الحاضر والمستقبل وليس لتلك المؤسسات التي مازالت تعشعش في مكاتب إدارتها عقلياتٌ لا تقرأ ولا تتعلّم من غيرها ولا تستمع لغير صوتها ولاتعقد الاجتماعات إلا لتثرثر طيلة الوقت دون استماعٍ لرأي الآخرين! إن النجاح أشبه بالشجرة، إذ ليس من المنطق أن تجتهد لاختيار التربة الجيّدة ثم تتعاهد ما تبذر بالرعاية وهي تنمو وتزهر حتى تكبر وتؤتى ثمرها، فإذا ما ذقت طيب ثمرها تركتها دون سقي أو عناية لتموت ببطء ظناً منك أنها ستبقى كذلك للأبد!

إنّ ما ينطبق على المؤسسات ينسحب على الأفراد للشبه الذي أشرنا له في مقدمة المقال، فمن ظن أنه قد أصبح نجماً أو شخصيةً بارزةً في مجال معين وتوقف عن تطوير نفسه بحماسٍ أكبر ورغبة متأججة فلن يعدو مدّةً من الزمن ويخبو كما خبا الملايين غيره ممن توقفوا عن رعاية الشجرة فاسحاً المجال لموهوبين آخرين أغلبهم سيسقط قريباً لعدم فهمهم لدرس البقاء على القمة والنزر اليسير سيبقى متألقاً ليُسطّره التاريخ في أبرز صفحاته وليتعلّم من نهجه من يأتي بعده ويقتفي أثره من طالبي النجاح وعُشّاق القمم.. سؤالي في الختام: هل ستقوم الآن لرعاية شجرتك أم ستقلب الصفحة؟

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لامارة ابوظبي

awad141@yahoo.com