في سعيها المحموم لاحتكار عالم الفضاء الخارجي واجهت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مشكلةً غايةً في الغرابة والطرافة في آنٍ واحد، حيث لم يكن بمقدور روّاد الفضاء الكتابة لإنعدام الجاذبية وثبات الحبر السائل، الأمر الذي استغرق منهم أبحاثاً تعدّت عقداً من الزمن وتكاليف نافت على ال12 مليون دولار للخروج بقلم جديد يمكنه الكتابة تحت مستويات الجاذبية المعدومة وعلى درجات التجمدّ وحتى 300 درجة سيليزية حرارية، بينما على الطرف الآخر كان كل ما فعله الروس أن قاموا باستخدام أقلام .. الرصاص !!

إنّ الحياة من حولنا ليست معادلاتٍ كيميائية معقدة حتى نهوّل حلولها، والظروف التي تواجهنا في الغالب لاتحتاج إلى نظرةٍ مركّبة تجعل من القطرة بحراً ومن حبة الرمل جبلاً شاهقاً، وإنّ من أسوأ ما أصبحنا نعاني منه هذه الأيام نغمة المصطلحات الأجنبية الرنانة والتعابير السفسطائية والتي وللأسف أصبحت مرادفاً للعلم والثقافة وعلو الكعب، والتي تقوم بتكبير الأمور البسيطة لتخرج عن واقعها الفعلي، ومن أكثر التعابير تداولاً هذه الأيام قضية (التفكير خارج الصندوق !) والتي يُدندن بها الكثير من المسؤولين في مؤسساتنا الخاصة والحكومية على حدٍ سواء، وأكاد أجزم أنّ أغلبهم لا يعرفون ما هو هذا الصندوق الذي يتكلمون عنه ولا يعرفون ماذا بداخله أصلاً قبل أن يقفزوا بنا خارجه!

إن أسوأ ممن يستخدم هذا المصطلح دون وعي بمعناه ذاك الذي اخترعه بادئ الأمر، فأن يؤطر شخصٌ ما تفكيره في قالب ضيّقٍ ومحدود فتلك قمة السطحية، وأن يخرج علينا بعدها بنظرية الخروج من هذا الصندوق (الفكري) للتفكير من خارجه فتلك مصيبةٌ تستحي منها السطحية نفسها، فخلال عمر البشرية الطويل كانت التلقائية والبساطة في تداول المعضلات هي الحلّ الناجع وليس تعقيدها وادخالها في سلسلةٍ من التحليل الذي يدّعي المنطقية حتى تتأزم الأمور وهو الأمر الذي ابتلينا به في وقتنا الحاضر حيث يعشق الكثير من الباحثين عن الكمال أساليب التحليل التي لاتنتهي إلا بضياع الوقت والجهد و.. الفرص، وهو ما ذكره أحد الغربيين بقوله: Paralysis by analysis !

وعندما وضعت دبي رؤيتها لتكون وصلة العالم الإقتصادية وبؤرة السياحة المستقبلية واجهتها مشكلة انعدام وجود جُزُر بحرية على طول ساحلها الأمر الذي يحُد من نجاح ورؤية مشاريعها الطموحة، وبدلاً من التباكي على الظروف القاهرة أو نقل تلك المشاريع للساحل تبعاً لأصحاب نظرية ( مالايدرك جُلّه لايُترَك كُلُّه!) كانت المفاجأة وببساطة.. فلنصنع جُزُراُ بأنفسنا. وهكذا أتت مشاريع نخلة جبل علي وجميرا وديره وجُزر العالم قبل أن تخرج فكرة الخور الصناعي والمسمّى خليج الأعمال!.

الوضوح في الرؤية وتبسيط الأمور والخروج عن المألوف (المُعقّد) بسببنا نحن، في الوقت الذي بقيت بعض عقليات خارج الصندوق تراهن على فشل هذه المشاريع ليس لأن التحليل ذاته يقول بذلك فالأرقام لاتكذب لا تجامل ولكن لسوداوية هذه العقليات وانغلاقها في إطار ضيّق تتباهى بأنها تُفكّر خارجه!

البساطة والتلقائية السليمة هما ماجعل طيران ريان أير الإيرلندي أحد أصعب الأرقام في عالم الطيران الإقليمي حالياً، فالشركة لم تحاول منافسة الطيران البريطاني أو الفرنسي أو فيرجن أو غيرها في ملعبها وبنفس طريقتها بل وضعت هي قواعد لعبتها بطريقتها الخاصة.

وهكذا خرجت علينا فكرة السفر الإقتصادي أو منخفض التكلفة والأشبه بطريقة الحافلات، فمن يأتِ أولاً يجلس أولاً حيث شاء ولكن دون حقائب كبيرة ودون وجبات طعام لكن بسعر منخفض للغاية، بل وصل في إحدى المرّات أن قامت برحلة من باريس إلى لندن بسعر جنيه استرليني واحد فقط للراكب، لتخرج صحف بريطانيا في اليوم التالي وعلى عناوينها الرئيسية: ريان اير تفعلها من جديد!!

والبساطة أيضاً هي ماجعلت سلسلة مطاعم In-N-Out الأميركية تحقق شعبية جارفة في الغرب الأميركي، فرغم الموقف التنافسي الهائل لمطاعم مكدونالدز وبرغر كنغ ووينديز وجاك إن ذا باكس وفروعها المنتشرة بكثافة إلاّ أن مجرد قرار هذه السلسلة فتح فرعٍ لها في أيّ حيٍ تجاري كافٍ ليجعل فرائص بقية الكبار ترتعد بشدّة بل ويجعلها مُجبرةً في كثير من الأحيان لإغلاق فروعها المتضررة بهذا القادم الجديد والذهاب بعيداً!.

يحدث هذا رغم أن قائمة الطعام لاتحوي سوى صنفين فقط من البرغر وصنفاً يتيماً من البطاطا المقليّة، ولكن الفارق هو الجودة، فلا يوجد في مطاعم هذه السلسلة أي شئ مجمّد إطلاقاً، بل كل شئ طازج وعضوي ولا يحوي أي مواد حافظة أو ملونة مما يجعلها قبلة الباحثين عن الطعام الصحي رغم أنّ فروعها مقتصرة على ولايات الغرب فقط كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا!

إن التفكير السليم والرد العقلاني التلقائي المبتعد عن التعقيد هو ما جعل ادوارد لامبيرت ومن بعده ايلوين لويس يقودان سلسلة متاجر التجزئة الشهيرة Kmart للخروج من الإفلاس وتحقيق ربحية متواصلة للسنوات الأربع التالية رغم ضراوة المنافسة مع عملاقة التجزئة العالمية (وول مارت) ومنافستها (تارجت) والوافدة الألمانية الشرسة (ألدي)،

ولم يكن ذلك النجاح ليتحقق لو بقيت الشركة على مباضع الإستشاريين والذين يعيشون في المشاكل فقط كما يقول توم بيترز لأنها مصدر رزقهم، بل لوضوح الرؤية لدى إدارتها الجديدة والتي قامت بالتخلص من أخطاء الماضي والتي تركزت على سوء مواقع أغلب فروعها في السوق الأمريكية والتضخم في عدد العمالة،

لهذا بدأ لامبيرت بإغلاق الفروع والمتاجر المتعثرة وتسريح عدد كبير من العمالة ثم قام بمباركة مجلس الإدارة الجديد بالاندماج مع الشركة المتعثرة الأخرى ألا وهي Sears التي نتج عنها كيانٌ أقوى استطاع تحقيق مبيعات بلغت 55 مليار دولار العام الفائت ولتضع الشركة نفسها في المركز الثالث على مستوى متاجر التجزئة ولتُضيّق الخناق على تارجت تحديداً .

أنا عندما أذكر البساطة فهي لا تعني إطلاقاً السطحية والسذاجة في ردّات الفعل، فمن المهم تحديد جذور المشكلة ووضع بدائل لحلها قبل أن تُقيّم ويتم اختيار الأنسب وليس الأكمل فالبحث عن الكمال هو ما يقود الكثير من المدراء للدوران في حلقة التحليل والدراسات التي لا تتوقف وليس أفضل في تحديد الأسباب الجذرية للمشاكل ولا أعرف بطرق حلّها من الموظفين الذين يُعايشون المشكلة في عملهم اليومي،

وليس بإلقاء العبء على استشاري يأتِ ليقوم بمهمة السؤال والبحث نيابة عن الإدارة ثم يقوم بتوصيل حلول الموظفين في قالبٍ جميل يسلب العقول ولكن بطريقةٍ بالغة التعقيد واضحة التكلّف مع إضافة بعض التوصيات و(البهارات) التي لا يفهمها في الغالب الإستشاري نفسه لكن لا بأس من ذكر مصطلحات ومختصرات لاطائل من ايرادها سوى تبيان علو الكعب!

وأختم لتوضيح ما ذكرت بقصةٍ حدثت في أحد مصانع الصابون اليابانية، إذ اشتكى عميل من شرائه لعلبة صابون تبيّن له بعد فتحها أنها فارغة. فوراً وكعادة اليابانيين المهمومين بالجودة الشاملة قامت الإدارة بتكليف إدارة الإنتاج بدراسة المشكلة بصورة عاجلة ووضع حلٍ لها.

وهذا ما حدث، فقد قامت الإدارة بصرف مبالغ كبيرة لتركيب جهاز يعمل بالأشعة السينية لكشف كل علب الصابون لمعرفة الفارغ منها وهو ما ترتب عليه وجود عدد ليس بالقليل من المراقبين لمتابعة الشاشات ورغم ذلك لم تنجح الطريقة لصعوبة الرقابة بشكل دائم، لكن أتى الحل من عاملٍ بسيط في خطوط الإنتاج نفسها كان كل ماقام به أن حمل المروحة الصغيرة من أحد أركان القاعة ووضعها بمحاذاة خط الإنتاج وقام بتشغيلها وكلما مرّت علبة فارغة طارت لخفتها!

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لامارة ابوظبي

awad141@yahoo.com