قال لي ذات مرة المؤلف الشهير وخبير الإدارة كين بلانشارد : «إنّ نهراً دون ضفتين، لا يعدو أن يكون مجرد بركةٍ كبيرة!»، وكلما تمعنت في دنيا الأعمال أكثر كلما وجدت مقالته غايةً في الصواب، فلا وجهة للنهر ولا غاية يصل إليها ما لم تحف جانبيه ضفتان تمنعانه من الضياع والتشتت في بقية الجهات، ولا فائدة ترتجى من قائد لمؤسسة لا يعرف أين يمضي ولا كيف يمنع صغائر الأمور من الإخلال بتركيزه على الأمور المهمة ولا أن يتكيّف كمسار النهر في مرونته مع متغيرات العالم من حوله حتى يصل لمبتغاه دون جمود لا يفتح له إلا أبواب الفشل!

إن التغيّر الذي يحدث لعالم الأعمال من حولنا يستلزم أن نُغيّر الأدوات التي نتعامل بها مع متغيراته حتى ولو كانت هذه الأدوات من أسباب نجاح الأمس، بل لا أُغالي عندما أقول بأهمية تغيير الرؤية عندما تبدأ سماء المستقبل في التجهّم، فمن الحماقة أن نواصل على رؤية سابقة ونحن نرى أن الطريق الذي نسلكه بناء على دراسات الأمس مغلق تماماً،

وهكذا فعلت شركة إنتل والتي رأت أنه حان الأوان للخروج من عباءة خطة آندي غروف رئيسها التنفيذي الشهير والذي أعادها للربحية بعد أن شارفت على الإفلاس ولكن كان من البيّن حسب تنبؤات المستقبل أن البقاء على ذات المسار سوف يعود على الشركة بالفشل التدريجي، لذا أعلنت في اجتماع مجلس الإدارة قبل قرابة الثلاثة أشهر عن خطتها الجديدة بالخروج من سوق شرائح الذاكرة تماماً والخروج من أهم مرتكزات خطة آندي غروف، وكم كان مؤثراً أنّ أكثر المؤيدين لهذا التحول كان الرئيس السابق غروف نفسه!

من المهم أن تُغيّر المؤسسة أهدافها إن أصبحت في المتناول السهل بدلاً من قضية رفع التوقعات، فالعبقرية لا تطل برأسها إلا بالجرأة على مخالفة المألوف وبالبحث عن شواطئ جديدة لم تُكتَشَف من قبل وليس بزيادة عصر البرتقالة التي بين أيدينا، ومن ينظر لأحد عباقرة العالم حالياً ألا وهو ستيف جوبز سيعلم عمّا أتحدث،

فرئيس شركة أبل التنفيذي وبعد سنين من محاولاته الفاشلة نوعاً ما لاقتحام صدارة عالم الحاسبات الشخصية وضآلة نجاح برامجه التشغيلية OS مقارنة ببرنامج مايكروسوفت الشهير (ويندوز)، قام بنقلة كبيرة في توجّه الشركة وبدأها باختراعه المدهش الـ iPod كمشغل لملفات الإم بي 3 وبسعة عالية جداً،

والذي انتشر انتشار النار في الهشيم ليكون ضربة المواسم الأخيرة الموفقة ثم قام بداية هذا العام بتقديم الإصدارة الجديدة من الأي بود والذي بإمكانه تشغيل ملفات الفيديو، ثم فجّر قبل أسبوعين مفاجأته المدوية وهي iTV والذي قد يُغيّر مفهوم الدنيا عن التلفاز!

على جانب آخر، نرى مديرين لمؤسسات وشركات عريقة لا يستطيعون النظر خارج أفقهم القديم ولا يبدو أنهم يعرفون أنّ الطريق المسدود لا يمكن فتحه بإغماض العينين، فريك واغونر المدير التنفيذي لجنرال موتورز والمدير الجديد لفورد آلان مولالي أعلنا الأسبوع الماضي مراهنتهما

على إنتاج السيارات الكبيرة للعودة للربحية ضاربين عرض الحائط بأسعار الوقود المتزايدة والمتوقع أن تجاوز الثمانين دولاراً بنهاية العام وبهبوط سوق العقار في الولايات المتحدة أكبر سوقٍ عالمي لهذا الصنف من السيارات واتجاه الطلب بصورة كبيرة نحو السيارات الصغيرة،

ولكن كل هذه الأمور لم تستطع إحياء بقية الشجاعة في قلب مديري أكبر شركتي سيارات في أميركا والتي لن تخرج إلا بإقالتهما عندما تبدأ الخسائر في زعزعة الأرض تحت الشركتين ولن ينفع جنرال موتورز حملتها الدعائية الأخيرة لتسويق السيلفيرادو (هذه بلادنا، وهذه شاحنتنا)، فالواقع لا يُذعن للحالمين وكارهي التغيير أكثر من كراهيتهم لكارلوس غصن!

إنّه من المضحك أن يُطالب قائد مؤسسةٍ ما موظفيه بالتغيير من أجل زيادة إنتاجيتهم بينما يجبن عن تغيير رؤيته واستراتيجياته لمواجهة العالم المتغيّر من حوله، ومن المحزن أكثر أنه حتى أعظم القادة يتسببون أحياناً في فشل مؤسساتهم دون قصد عندما يُصبح الرسمي هو ثقافة البطل الناجح لا ثقافة المؤسسة الناجحة وعندما يصبح العاملون بالمؤسسة في انتظار إلهامات القائد ويبدأون بتعطيل قدراتهم في الخيال

والتركيز على العمل بالأوامر والتوصيات فقط، فرغم عبقرية جاك ويلش بجنرال إلكتريك وبيل غيتس بمايكروسوفت فإن ذلك لم يمنع أنهما لم ينتبها لظهور الإنترنت في الأفق حتى تفاجآ به كالبقية والسبب هنا أنّ الشركتين اعتمدتا على رؤية الرئيسين وموهبتهما القيادية الفذة فتعطّلت بشكل تلقائي التنبؤات والمبادرات التي يحركها خيال وموهبة ومعلومات بقية الموظفين!

ومن المحزن أكثر أن تنتشر ثقافة المجاملة والخوف من الجديد في المؤسسة في عالم تنافسي شرس، إذ يذكر أحد التنفيذيين السابقين بجنرال موتورز أنه «إذا تحدثت عن مشكلة تم وصفك بالسلبي الذي لا يصلح أن يكون جزءاً من فريق العمل، وإن أردت الصعود في السلم الوظيفي فما عليك سوى إبقاء فمك مغلقاً وأن تقول نعم لكل شيء!». ويضيف: إذا تقدم مهندس بتصميمٍ جديد فلابد أن يُقدّم خمسين ألف دراسة (!) تؤكد أنه حلٌ أفضل عن الموجود حالياً،

ثم لابد أن تمر في عشر لجانٍ مختلفة للموافقة عليها، ثم ترفع لأشخاص في الإدارة العليا هم أقل الموجودين خيالاً ولا يفقهون إلا لغة الأرقام لاتخاذ قرارٍ حيالها! ولا أستغرب ذلك فرئيسها ذائع الصيت سابقاً روجر سميث عُرِف عنه أنه كان خبيراً في التخلص ممن يخالفه الرؤية من المدراء إمّا بإقالته أو إرساله إلى أحد الفروع البعيدة حيث يختفي تأثيره تماماً!

وعندما كان يحدث ذلك في كبرى شركات السيارات كانت نظيرتها في عالم المستلزمات المنزلية هوم ديبوتسير وفق رؤية مؤسسيها بيرني ماركوس وآرثر بلانك والتي تقول : نجاحنا له سرّان، السر الأول: نحن لسنا بذاك الذكاء.. السر الثاني : نحن (نعلم) أننا لسنا بذاك الذكاء ! وهذا ما يُفترض أن يكون منهجاً للجميع أفراداً ومؤسسات، فمن المهم أن نعرف قُصورنا وحاجتنا لرأي الآخر، ومن الضرورة بمكان أن نسمح بالخطأ والخطأ ليس بمرادفٍ للتقصير إطلاقاً،

بل الخطأ هو محاولة للإصلاح أو تغيير الواقع السيئ إلى واقع أفضل أو تغيير الواقع الجيّد إلى مستقبلٍ أفضل بكثير، ولم يخطئ البروفيسور سيدني فينكلستين عندما نصح المؤسسات أن تُكرّم (خطأ الشهر) عند وجود محاولة قد لا تعتبر ناجحة بالمعيار المالي ولكنها ناجحة للغاية بالمعيار المعرفي،

وفي نسقٍ موازٍ قامت شركة جنرال إلكتريك والتي عُرِفَت بنشر أفضل الممارسات على مستوى كافة فروعها لعقد أول مؤتمر داخلي لدراسة وتحليل أكثر (الأخطاء) خيالاً والتي ذهبت التقديرات إلى أنه بإمكانها تحقيق مبيعات إضافية بقيمة 100 مليون دولار دون أن يُسفّه رأي المخطئ أو (ينهزب) إن سَلِمَ من الإقالة كما يحدث في العالم الثالث!

إن النجاح صنعة وليس ضربة حظ، فهو ممكن التحقيق طالما توافرت في القائد مهارات التنبؤ الصحيح والمرونة في التعامل مع العالم المتغير واحترام الرأي الآخر واعتبار الخطأ كطريقة للتعلّم، وكلما شعر القائد أنّ بمقدوره أن يُغيّر دفة سفينته لوجهةٍ مختلفة إن تبيّن له خطأ وجهته السابقة وأن يبدأ بسرعة في الجري قبل أن يبدأ الآخرون بالمشي أصلاً!.

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي

awad141@yahoo.com