شاءت إحدى الشركات المُصنّعة للأحذية أن تبحث لها عن أسواق جديدة في القارة الأفريقية، فقامت بإرسال شخصين لسبر اقليمٍ معين في عمق الغابات الاستوائية والعودة بنتائج البحث وتوصية كل واحد منهما من حيث وجود فرصة قبول لمنتجاتها من الأحذية أو عدمه،
وبعد شهر عاد الاثنان وفي توصية الأول كان التالي: رحلة فاشلة ومتعبة، لا مكان للنجاح، الجميع هنا لا يلبسون أحذية أصلا !، أما الثاني فكتب ما يلي: رحلة رائعة وفرص نجاح كبيرة وأسواق لانهاية لها فلا أحد هنا يلبس حذاءً حتى الآن!
في الحقيقة إن النتيجة التي عادا بها واحدة ولكن اختلف الاثنان في رؤية ما خلف الواقع، فبينما كان الثاني ايجابياً وباحثاً عن الفرص كمن يبحث عن قطع الذهب دون أن يكترث لكثرة أكوام الطين والحجارة، كان الأول قمّةً في السلبية وسوداوية التفكير ومحدودية الخيال، والمؤسف أنّ الوضع في المؤسسات يقول أن نسبة هذا الصنف ليست باليسيرة وهي أحد أكبر معوقات برامج التطوير والتغيير.
عندما بدأت أسهم عملاقة المستلزمات المنزلية هوم ديبو تتهاوى وتخسر 33% من قيمتها في بداية عام 2000 وتعرضت معدلات نموها الربحية للبطء حتى شارفت على التوقف في حين بزغ نجم منافسة جديدة هي لويز أقر مجلس الإدارة قراراً للإنقاذ يقضي باستقدام بوب نارديللي مساعد جاك ويلش العظيم والشخص الذي قام بتنمية أرباح أنظمة الطاقة بشركة جنرال إلكتريك بنسبة 700% خلال خمس سنوات فقط،
ورغم أن نارديللي أتى بتاريخٍ حافل بالنجاحات وبدأ بوضع وإقرار كل الخطوات الضرورية لخلق انتفاضة جديدة لهوم ديبو تعيدها لمستويات الربحية العالية من تحليل للوضع الحالي وتقييم جزئياته والبدائل المطلوبة للإصلاح وأهداف الشركة خلال السنوات المقبلة ومحاولاته العديدة لنقل رؤيته للتغيير لكافة المستويات التنظيمية قبل أن يلقي خطابه الشهير
والذي ختمه بقوله : »إنّ ما ساعد هوم ديبو لتحقق أول 50 مليار دولار ليس بإمكانه مساعدتنا لتحقيق الخمسين ملياراً الأخرى!« وكان محقاً بالتأكيد فلكل فترة استراتيجيتها الخاصة وخصوصيتها التي تستلزم تعاملاً مختلفاً،
إلا أنّ كل ذلك لم يُجدِ نفعاً، فالخطة لم تمضِ كما أراد، والحصة السوقية للشركة تناقصت أكثر في ظل التوسع المتسارع لمنافستها المقبلة في السوق الأميركية.. فماذا حدث؟
والسبب ببساطة السلبيون وعرّابو الفشل، أو ما يسميهم المؤلف الشهير لورنس هوتون أصحاب الكهف أوCave People والذين ناءوا برامج نارديللي وخطط التغيير بكثرة التذمر والمراهنة على فشل (فتى جنرال إلكتريك)
وأن الأيام ستكشف عدم منطقية الأهداف المبتغاة، وفضلاً عن تقاعس هؤلاء في تنفيذ المنوط بهم فقد بدأوا ببث الرسائل السلبية بين بقية الموظفين الأمر الذي سبب انتكاسة في بيئة العمل وانتكاسة أكبر في جودة الخدمات المقدمة ولازالت هوم ديبو حتى اليوم تصارع ظروفاً صعبة رغم أنها بدأت تتعافى نوعاً ما بعد قرابة الخمس سنوات من خطة نارديللي والتي لولا هؤلاء السلبيين لربما آتت ثمرتها منذ السنة الأولى.
وكلما قابلت أحداً من هذه الفئة تحسّرتُ على تلك الطاقة التي فضّلت طواعية أن تسير في الاتجاه الخاطئ وأن تضيع سنوات عملها في أي مؤسسة في التندّر بالمفاهيم الجديدة للعمل والتذمر والشكوى من كل ما حولها والولع الغريب بتقمّص دور الضحية التي يعاديها الجميع والتي تنتظر يوم الخلاص رغم أنها لا تعرف ما هو هذا اليوم
ولا كيف يكون الخلاص أصلاً وذلك لانعدام الرؤية الحقة وغياب المعايير المنطقية لتقييم ما حولها وبأنّ الدنيا ليست شرّاً محضاً ! ولئن كان علماء الحديث سابقاً يُقدّمون الجرح على التعديل لكون الناقد لديه زيادة علم لم يُحِط بها المُعدِّل فإنّ الناقد في مؤسساتنا في العصر الحالي لديه زيادة (ظُلم) لما حوله ومن حوله
وإن كنّا انتقدنا وجود خللٍ كبير في العديد من المناصب القيادية في المؤسسات فإنّ هذا لايعني إلغاء النصف الايجابي المقابل ولا كون المرء غير قادرٍ على التغيير للأفضل حتى لو لم يكن قائداً يعتلي قمة الهرم التنظيمي، ولو كان التغيير لا يتأتى إلا لمن يرأس الهرم فقط لكانت نسبة بلوغ كل الموظفين لهذا المنصب صفر في المئة ولصلينا على التطوير صلاة الجنازة !
وبعض الموظفين لايريد أن يُتعِب نفسه في تطوير قدراته ومحاولة تحسين ما يتعلق به من مهام وإجراءات ولا ببث روح الحماس في القادمين الجُدد وبأنّ أمامهم بيئة خصبة تحتاج دماء جديدة وأفكاراً مختلفة، بل العكس ما يحصل فلا تسمع منه إلا الشكوى من كل شيء وانتقاد كل ما يدور حوله
وكل ناجح يعمل على مقربة منه وكلما كان من فئته السنّية والوظيفية كلما كان الانتقاد أكبر، والغريب أنّ أكثر هؤلاء المتذمرين لم يتعرض لتهميش أو انتقاص من أحد ولكنهم ورثوا هذا السلوك من آخرين سبقوهم تماماً كنظرية القرود الخمسة والتي كانت تُرش بالماء البارد
كلما حاولت الصعود لأخذ الموز المعلّق في سقف القفص حتى أصبحت القرود تمنع من يحاول الصعود حتى لا تتعرض لبرد المياه ورغم أنه كان يتم تغيير القرود بالتدريج حتى تغيرت المجموعة بأكملها إلا أن السلوك في منع من يحاول الصعود بقي ذاته
رغم أنّ المجموعة الجديدة لم تتعرض للماء البارد إطلاقاً ولكنه تقبّل الموروث دون تفكير ودون محاولة لتغييره كما قال سبحانه في انتقاد المشركين : »بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارهم مهتدون«!
يذكر عبقري الإدارة توم بيترز في كتابه Talent أنه كان يُحاضر في جمهور يقارب الألف شخص وفي الختام قام شخص ليُقدِّم له حصيلة تجربته في الإدارة والتي غيّرت اللون الذي كان يرى توم بيترز به الدنيا كما يقول، والحصيلة كانت جملة بسيطة من مقطعين (كافئ الإخفاق المبدع، وعاقب النجاح المعتاد)!
أظنها أيضاً مما يجب أن يُكتب بماء الذهب حتى ولو لم يستسغها البعض السلبي والبعض الذي يفتقد للخيال والإبداع، فمن المهم أن يتم مكافأة المبدع إذا أخفقت تجربته الجديدة أو خطته التطويرية لتحفيزه على بذل جهد أكثر وتركيز أكبر في المرّات المقبلة ولبعث رسالة لبقية الموظفين أنّ الرهان
إنما يكون على من يحاول خلق الفارق، وفي المقابل لابد من مساءلة أصحاب النجاح الذي لا يتقدم ولا يتحسّن مع الوقت في عالمٍ تشتد به المنافسة وتتزايد طلبات العملاء نوعاً وكمّاً
وهذا ما عناه نارديللي عندما ذكر أنّ ما كان سبباً لنجاح هوم ديبو في السابق فإنه لايفيد حالياً فعالم جديد يستلزم أدواتٍ جديدة ومفاهيم حديثة وأهم هذه الأدوات البشر والتي أصبح الوسط منهم لايفي بمتطلبات مراحل العصر الحالي فما بالكم بالسلبيين وعرّابى النواح والتذمّر!
هذه رسالة أنصح بها إخواني أنّ نحاول أن نكون العلامة الفارقة وأن نبذل ما نستطيع لخلق بيئة عملٍ أفضل مهما واجهتنا من ظروفٍ وتحديات وبيروقراطية قاتلة في بعض الأحيان، فالتغيير لا يأتي دفعةً واحدة
ولكن قبل أن نُطالب الآخرين أن يتغيروا فمن الأولى أن نبدأ بأنفسنا وأن ننظر للعالم بتفاؤل أكبر بقدرتنا على تحسينه حتى ولو لم نستطع إقناع سكاّن الغابات الاستوائية بلبس الأحذية، فإنّ لم نكن جزءاً من الحل فنحن بالتأكيد جزء من المشكلة!