يحكى أن ذئباً سأم سمعته السيئة بين الحيوانات كوحشٍ شرسٍ لا يؤتمن جانبه ولا يُفضّل الاقتراب منه، فذهب للفيل يسأله كيف يُصبح محبوباً ومُقرّباً من البقية، فنصحه الفيل بالذهاب للأسد لكونه ملك الغابة وأقدر من يستطيع على نصيحته، وما ان اقترب الذئب من الأسد يطلب مساعدته حتى أطرق الأسد للحظات.

ثم رفع رأسه قائلاً: وجدتها.. إن أردتَ أن تُحبّك بقية الحيوانات فلابد من أن تُصبح أرنباً! فالأرنب حيوانٌ وديع وجميل وموضع ثقة الجميع! فانفرجت أسارير الذئب وشكر الأسد على نصيحته العظيمة وذهب عنه فرِحاً بالجواب، ولكنه توقف ثم عاد للأسد وهو في قمة الحيرة ليسأله: سيدي، ولكنّك لم تُخبرني كيف أُصبح أرنباً!! فقال الأسد: مهمتي أن أخبرك بالخطة أمّا تنفيذها فتلك مشكلتك أنت!

يكمن الفشل في الغالب في المؤسسات الخاصة والعامة في إخفاق من يعتلي قمة الهرم الإداري في فهم طبيعة دوره الفعلي وكيفية ممارسة هذا الدور، وهذا ما يقود في العديد من الأحيان إلى صدور قراراتٍ مربكة للعمل أو إطلاق خطة عمل تم فرضها من مكتبٍ مغلقٍ لم يُشرِك صاحبُه بقيةَ الموظفين في وضعها ولم يوضّح كيفية تنفيذها إلا بخُطبٍ وإنشائياتٍ ومصطلحاتٍ مُعلّبة لا تزيد الموظف المسكين إلا حيرةً و(توهاناً)!

تذكر جاييني سميث في كتابها (خلق الميزة التنافسية) «أنّ اثنين فقط من ألف مدير تنفيذي قامت بمقابلتهم استطاعوا تحديد الميزة التنافسية لمؤسساتهم بينما الغالبية الساحقة توزعت إجاباتها بين العموميات والغموض والتردد وليس بغريب أنهم يلجأون باستمرار لمكاتب استشارية خارجية لوضع خططهم الإستراتيجية!».

ومع احترامي للمكاتب الاستشارية إلا أنها سببٌ واضحٌ في تداعي المؤسسات وتخبطها بدراساتها واقتراحاتها التي تفتقد لِبُعد الخبرة بتاريخ وأداء المؤسسة وتكتفي في الغالب بحلول «مُسكّنة» يتم تقديمها في عرض محترفٍ يخلب الألباب.

ثم لا تمضي الأيام حتى تُثبت قصور هذه الحلول ومحدوديتها، ولأنَ هؤلاء الاستشاريين يدركون مسبقاً الاحتمال الكبير لفشل طروحاتهم يتم توجيه اللوم للموظفين المغلوبين على أمرهم والذين «يتعمدون» إفشال برامج التطوير لأنهم يرفضون التطوير أصلاً! ومن جرّب هؤلاء الخبراء سيعلم ما أعني!

إن دور القائد مهم للغاية، وهنا أذكر القائد لا المدير، فالمدير هو الشخص الذي توكل له مهمة متابعة تنفيذ لوائح العمل وضمان سلامة إجراءاته وعملياته اليومية، أمّا القائد فهو الشخص الذي يفترض فيه القدرة التأثيرية العالية لدفع موظفيه باتجاه أهداف المؤسسة وفي ظل رؤيتها والخطط المتفق عليها.

وعندما تُصيب القائد الضبابية في الرؤية تُعاني المؤسسة بأكملها من هذا القصور كما حدث لشركة هيوليت باكارد عندما استلمت دفّة القيادة فيها كارلي فيورينا والتي بدلاً من أن تضع جُل اهتمامها في التركيز على نشاطها الرئيسي المربح ألا وهو الطابعات، قامت بشراء شركة كومباك للحاسبات الآلية في واحدة من أسوأ حالات الشراء في تاريخ الشركات الخاصة في العقدين الأخيرين.

الأمر الذي تسبب في انتكاسة لعوائد الشركة وفقدانها لحصة ليست باليسيرة من سوق الطابعات والسقوط «الحُر» لسهمها في الأسواق المالية والتي لم ينقذها إلا إعفاء فيورينا من منصبها نهاية العام الماضي وتعيين مارك هيرد الذي أعاد أولويات الشركة للتركيز على سوق الطابعات ليحقق ربحاً صافياً في الربع الثالث هذا العام بلغ 38 ,1 مليار دولار متخطياً توقعات المحللين في وول ستريت للمرة الثالثة على التوالي، فالقضية ليست بتلك الصعوبة ومن الغباء أن نُعيد اختراع العجلة الموجودة أصلاً.. وذلك ما فعله هيرد وما لم تفهمه فيورينا!

إن أسوأ الاستراتيجيات هي ما يتم وضعه في المكاتب المغلقة من قبل مسؤولين منقطعين عن موظفيهم وبعيدين عن ظروف عملهم وبناء على بياناتٍ ومعلوماتٍ تصلهم بالطريقة التي يُريدها ناقلوها وبالصورة التي يريدون أن تخرج القرارات المبنية عليها، فالمعاينة المباشرة وتفقّد المسؤول لبيئة العمل هي من أبجديات الأولويات في عالم الأعمال بل إن تويوتا عملاقة السيارات اليابانية تضعها في رأس أولويات نظامها الإنتاجي المميز، بل وصل الأمر بماساكي آيماي أحد أعظم خبراء الجودة في العالم أنّ ألف كتاباً أصبح من أهم كتب الجودة الشاملة طيلة تاريخها اسماه «غيمبا كايزن».

حيث غيمبا تعني المكان وكايزن التغيير للأفضل، أكّد فيه على ضرورة التواجد في «مكان» المشكلة عند محاولة وضع حلٍ لها وطرح سؤال «لماذا؟» خمس مرات وصولاً للأسباب الحقيقية الدفينة حتى لا نبني حلولنا وبدائلنا على أسباب ظاهرية لا تعود بأي نفع على المدى البعيد.

لا بديل عن خروج القائد واختلاطه بموظفيه والتعرف عن كثب على خفايا العمل وظواهره، ولا ينافي هذا التصرّف محدّدات النظام ولا تخلّ بثوابته بل هي الجزء الضروري المكمّل للنظام لربط الموظفين بالقائد وخطط المؤسسة المعتمدة، منعاً لوجود قائد غير رسمي في المؤسسات، فمن المعلوم بداهةً أنَ بداخل كل مؤسسة صَغُرَت أم كَبُرَت تنظيمان رسمي وغير رسمي، وتواجد القائد الرسمي بشكل دائم بين موظفيه ودعمه لهم ولأفكارهم وسماعه لملاحظاتهم وتحفظاتهم من شأنه أن يُوحِّد التنظيمين ليدينا بالولاء له سلوكياً وعاطفياً!

لم يكن أكثرنا يعلم الكثير عن رودي غولياني عمدة نيويورك السابق حتى بقيت صورته ماثلةً للعيان وهو يرتدي ملابس الإطفائيين ويساعدهم خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليُصبح أحد أهم الأسماء القيادية في العالم ولتختاره مجلة (تايم) رجل العام الأول، ولم يكن ذلك ليتأتى لو بقي يصدر أوامره من مكتبه الوثير ولكن كما يقول وودي آلن: إنّ 80% من النجاح هو في الظهور!

بل إن ظهور القائد بصفة مستمرة في بيئة العمل وكممثل أصيل لمؤسسته يجعله مرتبطاً بالعلامة التجارية للمؤسسة.. بل لا أُغالي عندما أقول إنّه يصبح علامة تجارية بنفسه! ولننظر معاً: جاك ويلش في جنرال إليكتريك، ستيف جوبز في آبل، بيل غيتس في مايكروسوفت، كارلوس غصن في نيسان ولولا تحفظي الشخصي لذكرت أسماء عربية أصبحوا مرادفاً لمؤسساتهم ونجاحاتها.

لقد تلاشت طريقة إصدار الأوامر والقرارات التقليدية من عالم المؤسسات الناجحة، وحلّ بدلاً منها إشراك العاملين في كافة المستويات التنظيمية في تحديد مسار المؤسسة وخططها ووسائل تنفيذ هذه الخطط لضمان نجاح ما يتم إقراره.

فقد أثبتت الدراسات أنّ الموظفين يتقبلون التغيير مهما كان مداه طالما تم إشراكهم في وضع تصوراته ومراحله، بل إن العامل الرئيسي في بقاء الكفاءات في المؤسسات كما يذكر ذلك عالم الإدارة الشهير جيم كولينز هو القائد، فمن أجله يبقى الموظفون حتى ولو كان الأجر أقل عمّا يحصل عليه أقرانهم في المؤسسات المنافسة، وبسببه يرحلون حتى ولو كان الأجر عالياً، وكم كان جون ماكسويل رائعاً عندما اختصر فلسفة النجاح بقوله: إنّ الناس يؤمنون بالقائد أولاً قبل أن يؤمنوا بالرؤية التي يسوقها!

إنّ من لا يقوى جناحاه على الطيران لا يحق له أن يتحدى الصقور المحلّقة، ومن يملأ الدنيا حديثاً عن الرؤى والخطط ثم تشرق الشمس كل صباح ولا يحرث إلا غبار الأحلام لحريٌ به أن لا يُعطى فرصاً أكثر، فالزمن لا يتوقف للحالمين والمنعزلين بأطروحاتهم عن بيئة العمل المحيطة بهم، والعالم إنما يتغير بالقرارات (في وقتها) لا بالدراسات والكلام المنمق!

والأسوأ من هذا الصنف صنفٌ آخر جُل همّه الحصول على شهادات الآيزو المختلفة وإقامة المؤتمرات الصحافية احتفالاً بهذه المناسبة بينما موظفوه يرزحون في بيروقراطية مقيتة ومركزية قاتلة للطموح، والمراجع المسكين يعاني الأمرّين في إنهاء معاملاته! إنهم لا يفقهون أنّ الجودة في المقام الأول جودة المخرجات لا جودة الإجراءات وتوثيقها، وأن المنطق أن تُشارك موظفيك ما يفعلون وتُقاسمهم ما يُعانون وتُشركهم في رسم مستقبل مؤسستهم معك لا أن تطلب من الذئب أن يُصبح أرنباً!

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لامارة ابوظبي

awad141@yahoo.com