في أحد أيام الصيف الحارة بإحدى ولايات الجنوب الأميركية قامت نادلة بفرعٍ صغير من أفرع سلسلة المقاهي الشهيرة ستاربكس بتقديم شراب مثلج كانت قد اعتادت صنعه بمنزلها لزبائن المقهى كبديل للمشروبات الساخنة والتي لاتعتبر خياراً جيداً في أوقات الظهيرة الملتهبة.

وتصادف أن انتبه لها مدير الفرع والذي قام بتوبيخها أمام الزبائن مشدداً على ضرورة الالتزام بالمشروبات الرسمية فقط دون اجتهاد أو »فلسفة«، ثم لم يلبث أن قام بتحويلها إلى فرع آخر كعقوبة لـ»الجُرم« الذي قامت به،

ولحسن حظها فقد كانت البيئة الجديدة في الفرع الآخر أكثر انفتاحاً على الجديد وتم اعتماد مشروبها المثلج على القائمة الإضافية ليصبح خلال أشهر المشروب الأكثر رواجاً على مستوى السلسلة وأعلاها مساهمة في الايرادات وليولد الـ»الفرابتشينو« الشهير بعد أن كاد مدير فاشل أن يحطم فكرة بارعة لموظفة موهوبة!

بدأتُ بهذه القصة كمدخل لأهمية المواهب في عالم الأعمال وما يوازي ذلك من مؤسسات حكومية وعامة، وعندما نسمع النفير المدوي في كل دول العالم المتقدم من نُدرة وشح المواهب وتسابق الشركات العالمية على استدراج الموهوبين والمميزين نعلم يقيناً أنّ عالمنا الثالث يُعاني أضعافاً مضاعفة من تلك الندرة،

والأندر منها المواهب المواطنة والتي يعاني الكثير منها من تسلّط عُشّاق كاميرات التصوير من المسؤولين ومن حولهم من البطانة المقربة والتي تتعامل مع الموهوبين بإحدى طريقتين: الاستغلال أو التهميش حتى يتم التطفيش !

وليس بجديد أنّ قضية استغلال الموظفين الموهوبين واحتواء مجهوداتهم من مشاريع وبرامج مبتكرة وأفكارٍ مبدعة لِتُنسب لمسؤولٍ أو مدير هي من الأمور المعروفة والتي لا أقول أنها حكرٌ علينا فقط، بل ها هو كاتب مريض يدعى روبرت غرين قام بتأليف كتاب لازال متصدراً لقائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم اسمه ( القوانين الثمانية والأربعين للقوة)

ذكر من أهمها الآتي: »دعِ الآخرين يقومون بالعمل، لكن تأكد أن تأخذ كل المديح !« ومادامت مؤسساتنا يُعاني الكثير منها من فقدان التقييم الفعلي وغياب مؤشرات الأداء المؤسسي وترسّخ ثقافة البيروقراطية والوصولية والسير في ظل الحائط فإنّ مستقبلها لايبدو مبشراً بالخير مهما تم من تعيين استشاريين وخبراء ووضع استراتيجيات وخطط طموحة ، فكلما تصادمت ثقافة مؤسسةٍ ما مع استراتيجية جديدة كان النصر ـ دائماً ـ للثقافة !

ومن الأفكار المهمة في عالم المؤسسات أن لا تقوم إطلاقاً بتعيين »السبعات«!، والسبعات هنا مقصودٌ بهم من يوازون في تقديرهم 7 من 10 أو بتعبير آخر المتوسطون وذلك لسببٍ بسيط: أن هؤلاء المتوسطين سيقومون مستقبلاً بتعيين الستات والخمسات ومادونهم

حتى يتأكدون أنهم لا يمثلون تهديداً لهم وفي الوقت ذاته لن يسمحوا للمبدعين بالظهور والتألق حتى ولو كان ذلك على حساب المؤسسة إلا إن استولوا على مجهوداتهم ونسبوها إليهم،

ومن المؤسف أنّ الموهوبين يكونون على رأس من يتم التخلي عنهم خلال برامج الإحلال الوظيفي وتخفيض العمالة من غير التفات لأهميتهم وخطورة الوضع بعد رحيلهم والذي لا يتضح لأصحاب العقول المغلقة!

ومبدأ باريتو أو ما يسمى (20/80) يقوم على فرضية أن ما قرابة العشرين في المئة من الموظفين يتسببون في ثمانين بالمئة من الإنتاجية وهو ما يُعرف بالقلّة المؤثرة وهنا تكمن الخطورة حين يتم تسريح عمالة أو تغيير أدوار موظفين دون دراسةٍ متأنية لتأثير ذلك على مستويات الإنتاجية وجودة الخدمات المقدمة،

وهو ماحدث لشركة الطيران الأميركية »ديلتا« عندما قامت بتسريح عمال الصيانة بأعداد كبيرة وبصورة عشوائية في بداية التسعينات من أجل تخفيض النفقات والعودة للتنافسية،

ولكن تسبب ذلك الإجراء التعسفي في خسائر هائلة للشركة من جراء تأخر إصلاح الطائرات وعدم الوفاء بجداول ومواعيد الرحلات وصعوبة تعويض الفنيين المختصين والذين سُرِّحوا بقرارات لا مسؤولة من إدارة فاشلة!

إن العمالة الموهوبة التي تخرج من المؤسسة لا تحمل معها تقنيات الأداء ومهارات العمل فقط بل تحمل معها شيئاً أكثر أهمية كما يقول ذلك سلفاتوري باريس وروب كروس ودافنبورت في دراستهم الأخيرة بمجلة MIT Sloan

ألا وهو معرفة »من« يقوم بالأعمال داخل المؤسسة من الموظفين المغمورين والمؤثرين في نفس الوقت، ومن يقوم بتسهيل أعمال المؤسسة وتسويقها من خارجها، وشبكة الاتصال هذه لايمكن تدوينها في محضر مقابلة نهاية الخدمة ـ والمعدومة أصلاً في مؤسساتنا ـ وليس بالإمكان تعويضها إلا بمرور سنين عدة للموظفين الجدد،

وأُضيف فوق ذلك جانباً لم يُشِر إليه الأساتذة الأفاضل ألا وهو فئة الوسطاء أو »رمانة المؤسسة« إن جاز التعبير، وهم الأفراد الذين يقومون بتسوية النزاعات التي تطرأ في بيئة العمل ويعملون على تقريب أفراد فرق العمل من بعضهم البعض لضمان انسيابية العمل والإبقاء على مناخ صحي ومشجع للعمل والذين بغيابهم تنفجر الأوضاع وتطغى النزعات الفردية والنزاعات على حساب الأداء.

لقد سئمت مؤسساتنا من الإدارات التي لا ترى أبعد من نفسها، ومن فئات الموظفين الذين لا همّ لهم إلا اقتفاء الإجراءات المدونة كما هي دون تجديد ودون أن تسأل نفسها لماذا نفعل هذا بهذه الطريقة؟

والنتيجة الوضع السيئ للكثير من مؤسساتنا العامة والتي لن تعود للوضعية السليمة مالم يُفسح المجال للموهوبين والمبدعين وأصحاب الطموح اللامحدود للإنجاز وبعيداً عن تسلّط محبي المركزية وعُشاق التفاصيل،

وتحضرني قصة سلسلة المطاعم المعروفة (تاكو بيل) والتي يقول رئيسها التنفيذي جون مارتن: »قضينا سنين طويلة ونحن نعمل على وضع موظفينا تحت السيطرة الكاملة والنتيجة كانت معدلات عالية لهروب الموظفين من الشركة،

وسوء في خدمة الزبائن وهبوط حاد للعوائد المالية، للأسف عرفنا متأخرين أنّ الشركة إنما تذهب عالياً بالقدر الذي تسمح لموظفيها بحملها إليه !« ولم يكن غريباً أن انتشرت دعابة أنّ تاكوبيل وبسبب انغلاقها على نفسها وتشديدها على موظفيها كان الناس يظنونها شركةً مكسيكية للاتصالات!

إن الموهبة أساس كل نجاح وشرط أي تطوّر، فنحن لانذهب للمباريات من أجل الملاعب والمدرجات بل من أجل الموهبة التي سنراها. ونحن لا نشاهد التلفاز من أجل التلفاز

بل لأجل المواهب التي تستعرض من خلال شاشته فهي ما يخلق القيمة والموهبة هي وحدها ما يستطيع أن يبعث حياة التجديد والتطوير في المؤسسات إن وجدت من يرعاها ويسمح لها بالتوهج لا من يمنع الفرابتشينو بحجة أنه ليس مدرجاً على قائمة المقهى!

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لامارة أبوظبي

awad141@yahoo.com