تخيّل أنك في مباراة للشطرنج وفي منتصف اللعب وبعد أن وضعت خططك وبدأت بتنفيذها أتاك من يقول لك انّ قوى قطع الشطرنج تغيّرت، فقدرات الوزير انتقلت للبيدق وما كان للفرس ذهب للرخ وهكذا.. فماذا ستفعل حينها؟ هذا تقريباً ما حدث لشركات السيارات الكبرى التي راهن أكثرها وعلى رأسها جنرال موتورز وفورد على السيارات الكبيرة صاحبة الهامش الربحي العالي فأتتها أسعار الوقود المتزايدة لتقول لها: كش ملك!

كارلوس غصن، أنجح شخصية في عالم السيارات وأكثرها إثارة، يبدو على مقربةٍ من تحالفٍ مع جنرال موتورز وبغض النظر عن جدوى هذا التحالف وفائدته إلا أنّ غصن يبدو متحمساً للغاية للدخول في عاصمة السيارات في العالم (ديترويت) ليثبت للدنيا مقدرته الفذة وأملاً أن يذكره التاريخ بأنه الشخص الذي أنقذ جنرال موتورز من الانهيار!

شخصياً أرى غصن قادراً على إعادة عملاقة السيارات الأميركية إلى الطريق الصحيح. لكن أشك كثيراً أن يستمر ذلك النجاح لفترة طويلة، فمن خلال ملاحظاتي يظهر لي غصن بطلاً في عمليات التحوّل لكنه يعاني كثيراً عند الإبقاء على مسار النمو للأمد الطويل، فالنجاح ماراثون وليس سباق مئة متر.

ونيسان بعد نجاحه في إنقاذها من خطر الإفلاس وبعد ست سنوات من الربحية بدأت في التخبّط والترنّح بدأ سهمها ينحدر بصورة مقلقة للغاية. والأمر ذاته ينطبق على رينو التي عاد لرئاستها التنفيذية بعد مغامرته المظفرة مع نيسان حيث بعد مظاهر التعافي التي بدأت منذ فترة ها هي تعاني من جديد وتتقلص مبيعاتها في السوق الأوروبية ولا يبدو أنّ لديها الكثير من الطرازات التي يمكن أن تعيد لها بعضاً من التوازن المنشود، فهل الخطأ في السوق أم في الاستراتيجية؟

قد يكون الخطأ في السوق لتغيّر اتجاه الطلب من السيارات الكبيرة إلى السيارات الصغيرة وهذا ما قد يغفر لكارلوس غصن الانحسار الجزئي لحصة نيسان من السوق الأميركية لاعتماده على طراز التايتان هناك لكن هذا لا يعفيه أنّ هناك خطأ في التنبؤ باتجاهات الطلب خاصة وأنّ ارتفاع أسعار الوقود لم يبدأ ليلة البارحة.

كما أنّه فشل في طرح أي طراز جديد لمدة 12 شهراً وهو أحد أسباب فقدان سهم نيسان لقرابة 20% من قيمته وما مراهنته على عودة الشركة للربحية بطرح 4 طرازات جديدة وطرازين معدّلين كلياً دفعةً واحدة خلال أكتوبر المقبل إلا دليلٌ على فقدان التركيز وغياب التنسيق بين الموردين والمُصنّعين وخطوط الإنتاج أو لنقل بعبارةٍ أخرى : إن كارلوس غصن يضع في فمه أكثر مما بإمكانه أن يمضغ.. فكيف يريد شركة ثالثة أيضاً وبحجم جنرال موتورز ومشكلاتها!!

وربما يكون كيركوريان وبقية حملة الأسهم بجنرال موتورز قد يأسوا من الإدارة الحالية التي لم تستطع إيقاف النزيف في الشركة منذ 14 عاماً. ومنذ أن تولى واغونر رئاسة الشركة التنفيذية من ست سنوات والأمور تسير من سييء إلى أسوأ وآخر المساوئ في رأيي أن خطّة التحوّل التي بشّر بها واغونر كثيراً اعتمدت في مجملها على إنتاج وبيع السيارات الكبيرة والتي (وأدتها) أسعار الوقود العالية تماماً وتبدو الشركة الآن تتخبط يمنةً ويُسرة دون استراتيجيات بديلة وسيناريوهات أخرى.

وهذا ما يجعل التغيير من أجل التغيير نفسه أمراً مهماً لإعادة الحياة في سهم الشركة المتهالك كما حدث لانتعاشته بعد الإعلان عن وجود اتصال مع غصن ثم انخفاض السهم مباشرة بعد إعلان غصن عدم رغبته في تولي الرئاسة التنفيذية بدلاً من واغونر رغم أنه يبدو تصريحاً للاستهلاك فقط !

كارلوس غصن لن يقبل بدور ثانوي إن تم التحالف لكن حتى لو ضخت رينو ونيسان 3 مليارات دولار من أجل حصة 20% من جنرال موتورز فإن دور غصن ورفاقه سيبقى ثانوياً، فلابد من تملك حصة 34% على الأقل إن أراد أن يكون عنصراً مؤثراً في تسيير أمور الشركة الأميركية، لكن هل سيوافق مجلسا إدارة نيسان ورينو على ضخ هذا المبلغ الكبير لإنقاذ منافس مترنّح.

لا تبدو هناك فائدة كبرى من التحالف معه بينما لا يتم استغلال هذا المبلغ في تطوير منتجات الشركتين حتى لا تتعثران أكثر مما يحصل لهما حالياً.وهل نسي غصن ما ينادي به كثيراً من أنّ النجاح أن تهتم بالأمور الأكثر أهمية وتترك ما سواها.

فهل الأهم الإبقاء على نيسان ورينو في مستويات الربحية والبحث عن أسواق جديدة وتطوير منتجات مميزة كما تفعل تويوتا وهوندا أم الأهم الذهاب لديترويت لإنقاذ شركة هائلة تتخبط في مستنقع الخسائر منذ سنوات عدّة وفي نظام معقد لا يماثل الأنظمة في اليابان وفرنسا مثل نظام التقاعد ومخصصات الرعاية الصحية التي ترهق كاهل الشركات الأميركية ولا يمكن تغييرها أو المساس بها؟

لقد استدعت نيسان 85 ألف سيارة من طراز ألتيما لوجود عيوب فيها. ورغم أنّ استدعاء السيارات المعيبة شيء متعارف عليه إلا أنّ المقلق في الألتيما أنّ تكلفة إصلاح العيوب بلغت 2000 دولار للسيارة الواحدة وهو مبلغ ليس ببسيط لشركة تبحث عن العودة للربحية قبل نهاية السنة المالية.

وانخفاض جودة منتجات نيسان بدأ يظهر هذه السنة وهو أمر من المهم أن يجعل غصن مستيقظاً طيلة الليل، فالنجاح الحقيقي عملية تراكمية وليس انتصارات وقتية تنتهي بالبحث عن نصر جديد دون بناء فعلي وجاد للمستقبل لضمان النمو واستمرارية الانتعاش.

إن التحالفات في مجملها فشلت، ففورد فشلت فشلاً ذريعاً فولكسفاغن، وكرايزلر عانت كثيراً قبل أن تتخلص من حلفها مع هايونداي وكذلك فعلت جنرال موتورز مع فيات، بل حتى وضعية الإندماج بين ديملر بينز وكرايزلر أصبحت كابوساً لايمكن الفكاك منه للشركة الألمانية، فلماذا يغامر كارلوس غصن للدخول في تحالف أطرافه الثلاثة تعاني للغاية؟

ولا تقنعني أحاديث البعض من أن نيسان ستستفيد من الحضور القوي والاستثمارات الهائلة لجنرال موتورز في الصين ومن أنه في المقابل ستستفيد الشركة الأميركية من مصممي حليفتها في مجال السيارات الصغيرة! إنّ الصين تعاني حساسية تجاه المنتجات اليابانية لكونها «يابانية» تحديداً ولا دخل للجودة في ذلك ولن يُغيّر حضور جنرال موتورز من ثقافة شعب تجاه شعب يحمل له الكثير من العداء التاريخي،

كما أنه من المستبعد أن يوافق اليابانيون على إمداد جنرال موتورز بخيرة مصممي السيارات الصغيرة لتعزيز موقفها في هذه السوق وعلى حساب من؟ على حساب نيسان نفسها! من المهم أن يُركّز كارلوس غصن على نيسان ورينو، وليسَ جنرال موتورز، ف«قاتل التكاليف» Cost Killer كما يُطلق عليه يجب عليه أن يعرف أنّ مشكلة جنرال موتورز ليست في زيادة النفقات لديها فقط ليظن نفسه أنّه المنقذ،

فهذه قمة جبل الجليد لا غير، حيث إن الشركة لم تفقد حصتها السوقية بسبب ارتفاع تكاليف قطع الغيار أو تكاليف التشغيل بل بسبب انعدام التجديد والابتكار في تصاميمها وعدم استثمارها في المستقبل وهو الأمر الذي لا يبدو لي أن غصن يُجيده كثيراً أيضاً!

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين

وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي

Awad141@yahoo.com