أعجبتني جملة للمؤلف الشهير جيم كولينز في مقاله الأخير بالديلي تيليجراف 7-8-2006 عن أن الحل للخروج من الأزمة في عالم الأعمال لا يكون بـ (كيف) بل بـ (من)، فالحل أن تضع الأشخاص المناسبين داخل الحافلة وغير المناسبين خارجها ثم تضع المناسبين كلاً في مكانه المناسب، بعدها تسأل نفسك أين سنمضي الآن!

وهذا ما يبدو لي كان رأي كيرك كيركوريان ومجلس إدارة جنرال موتورز عندما فتحوا الباب لمناقشات تحالف مع نيسان ورينو، فالمهم حالياً أن يأتي كارلوس غصن ليخرج شيئاً من قبعته لإنقاذ «التايتانيك» الأميركية قبل أن تصبح أثراً بعد عين، فالخسائر لا تتوقف والأهم من ذلك أن تويوتا لا تتوقف ولا يبدو أن بإمكان أحدٍ إيقافها إلا بمعجزة تستطيع إعادة القوة لأوصال عملاق ديترويت المريض - جنرال موتورز!

ويكون ريك واغونر الرئيس التنفيذي للشركة قام ببعض الخطوات التي تحسب له في السابق، فنجاحه في الوصول لاتفاق مع اتحاد عمال السيارات لتسريح ثلث عمال الشركة (قرابة 34 ألف عامل) مع دفع مستحقاتهم، والتخلص من الشركة التابعة (ديلفي) لتصنيع قطع الغيار التي أعلنت إفلاسها والنجاح حتى الآن في إبقاء موظفيها دون تسريح منعاً لحدوث إضراب قد يجر جنرال موتورز نفسها لقانون الإفلاس.

كل هذا يحسب لقدرة واغونر الرائعة في التفاوض، كما أن نجاحه في إيجاد سيولة كافية للشركة خلال هذه الفترة الحرجة وإعادة الشركة للربحية في الربع الثاني من هذه السنة وهو الأمر الذي لم يحصل منذ 2004 لهو أمر ايجابي في الظاهر وذلك للشكوك المثارة حول هذه السيولة.

ورغم تلك النواحي المشرقة لواغونر إلا أنّ (خطاياه) وليس (أخطاؤه) لا تغتفر في رأيي، فخلال السنة التي وعد فيها بتحقيق أرباح تقدر بعشرة مليارات دولار وهي 2005 كانت النتائج المالية لتلك الفترة تظهر خسائر بقيمة 6 ,10 مليارات دولار .. العكس تماماً!

ولتحقيق سيولة مالية قام ببيع جزء كبير من GMAC الشركة المالية التابعة والتي كانت لسنوات تُدرّ أرباحاً أكبر بكثير من أرباح بيع السيارات وهي خطوة تفتقد للبعد الإستراتيجي لهذا الرئيس ولا تقل فداحة من إقناعه لمجلس الإدارة للتخلص من التحالف مع فيات الإيطالية ودفع ملياري دولار كتعويض رغم أن أداء فيات وخطة التحول لديها بدأت في الظهور والوضع الحالي الإيجابي للغاية لها يُظهر كم كان واغونر مخطئاً في فسخه لذلك التحالف مع العبقري سيرجيو مارتشيوني رئيس فيات.

والعلاقة مع الموردين من جهة أخرى ـ و الذين يبلغ عددهم قرابة 3200 مورد ـ كانت سيئة للغاية بل وصلت بسبب (بو أندرسون) مدير المشتريات بجنرال موتورز والذراع القوية لواغونر لحد تفضيل الموردين والمصنعين إعطاء المنتجات الحديثة لمنافسيها قبلها.

وذلك لافتضاح قيام الشركة بإعطاء هذه المنتجات الجديدة لموردين ومصنعين منافسين للحصول على أسعار أفضل بالإضافة إلى الضغط المبالغ فيه للحصول على خصومات عالية مما دفع ببعض الموردين لإعلان إفلاسهم كما حدث لشركة دايتون بأوهايو، لذلك كان من الطبيعي أن تأتي جنرال موتورز في ذيل قائمة الاستبيان السنوي لرضا الموردين بدون منافس العام الفائت!

واغونر اهتم بتفاصيل ونسي تفاصيل أهم كثيراً، فبدلاً من بيع حصة كبيرة من GMAC كان من الأولى البدء في معرفة سبب زيادة التكاليف الممكن التحكم فيها، فجميعنا نعلم أن مشكلتي الرعاية الصحية ومخصصات التقاعد كابوس لا يمكن التخلص منه حتى ولا بواسطة كارلوس غصن نفسه، ولكن من غير المعقول أن يفرح واغونر بتوفير ملياري دولار من المشتريات السنوية ويتناسى أن إجمالي هذه المشتريات بعد التخفيض يبلغ 85 ملياراً سنوياً! ..

ومن غير المنطقي أن تُصنّع جنرال موتورز 12 محركاً بينما تويوتا ونيسان تصنعان أقل من ذلك بكثير، ولديها 26 هيكلا للمقاعد بينما تويوتا لديها اثنان فقط وهو أمر ليس شكلياً كما يبدو فإجمالي تكلفة الهياكل الإضافية يصل لنصف مليار دولار! كما أنه بالإمكان توفير 100 مليون دولار خلال سنوات يسيرة بتخفيض مفاصل الأبواب من خمسة إلى ثلاثة، ولكن واغونر لا يرى إلا قتل الدجاجة التي تبيض ذهباً لإستخراج كل الذهب دفعة واحدة!

لقد استغربت للغاية من تسريب خبرٍ الأسبوع الماضي بأن جنرال موتورز ستدفع بطرازين معدّلين للبيك أب خلال الأيام القادمة رغم أنه كان من المقرر طرحها العام القادم وهما شيفروليت سيلفيرادو وجي إم سي سييرا وهي خطوة غريبة لسببين رغم اتفاقنا جميعاً بأنّ هامش ربح السيارات الكبيرة أكبر بكثير من الصغيرة، أول السببين: ارتفاع أسعار البنزين وانحسار الطلب في السوق الأميركية على السيارات الكبيرة أو مايطلق عليها Fuel-Guzzling Vehicles واتجاه مؤشر الطلب للسيارات الصغيرة، وثانيهما :

عدم وجود تعديلات جوهرية للطرازين المذكورين مقارنة بطراز تايتان من نيسان والنسخة المعدّلة لتاندرا من تويوتا، فهل السبب في هذا التعجيل التخلص من هذه الطرازات التي تم إنتاجها فعلاً قبل أن يصل الطلب عليها لمستويات محبطة، أم أن واغونر يهمه أن تسمع ديترويت ووول ستريت أنه طرح طرازات معدّلة حتى ولو أتت في الوقت الخطأ؟

الأمر الغريب الآخر كان تسريب خبر عودة الكامارو الشهيرة والتي تم إيقاف إنتاجها عام 2002 وهو أمرٌ يحمل إشارتين سلبيتين لواغونر:

ـ خواء مخيلة إدارة جنرال موتورز من الطرازات الجديدة وانعدام الابتكار عند مصمميها

ـ التقليد الأعمى لكارلوس غصن لإعادته إحياء الفئة غ في نيسان والتي كانت (خبطة) موفقة ومربحة للغاية لنيسان، ولكن الفارق أن غصن لم يكن من (وأد) ذلك الطراز عكس واغونر المتخبط والذي قام بإيقاف إنتاج الكامارو ثم هاهو يعيدها من جديد!

الأمر لا يحتاج إلى كثير تفكير، فلابد ـ كما قال جيم كولينز ـ أن يفتح باب الحافلة ويلقى ريك واغونر خارجها. ثم نتساءل هل كارلوس غصن هو المناسب؟

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين

وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي

Awad141@yahoo.com