طيلة عقود من الزمن والعالم لا يفكر إلا بمن يمكن أن يقترب من عملاق ديترويت كأكبر مصنّع للسيارات في العالم، فمنذ اليوم الذي أزاحت جنرال موتورز فيه منافستها فورد من القمة وهي الرقم الأصعب في صناعة السيارات أو بالأصح كانت ذاك الرقم!
إن قضيّة الحصة الأكبر في صناعة السيارات والتي تتصدرها جنرال موتورز لن تجاوز هذه السنة، فتويوتا اليابانية قادمة لاعتلاء القمة في التصنيع لأول مرة في تاريخها وكما يبدو للمحللين فإن ذلك لن يكون سحابةً عابرة لا تلبث منافستها الأميركية من التخلص منها
بل العكس هو الصحيح، تويوتا قادمة لتمكث طويلاً على القمة بينما يبدو المستقبل موحشاً بالنسبة لجنرال موتورز رغم محاولات رئيسها التنفيذي ريك واغونر لتطمين حاملي الأسهم من أن الشركة لن تلجأ لقانون الإفلاس وأن لديها كفاية من السيولة النقدية تقدّر بعدة مليارات من الدولارات ومن أن خطّة التحوّل تمضي بسرعة أكبر من توقعات المحللين.
وليس الوضع كذلك، فمشكلات جنرال موتورز المالية أوضح من النهار، فخسائرها لعام 2005 بلغت 10.6 مليارات دولار وهو ما دعاها لبيع ذراعها (ديلفي) لتصنيع قطع الغيار لتحقيق بعض السيولة المطلوبة بشدة بالإضافة إلى قرارها بإغلاق اثني عشر مصنعاً في أميركا وغرب أوروبا
وما يلازمه من تسريح لأعداد كبيرة من العمالة، علماً بأن الشركة نجحت في تحقيق وفورات في الفترة الأخيرة فيما يتعلق بجانب التأمينات الصحية لعامليها إضافة لتوصلها لاتفاق مع اتحاد عمالة السيارات لتسريح 34.000 موظف مع دفع مستحقات نهاية الخدمة لهم وهو ما يشكل ثلث عمالة الشركة تقريباً،
ولكن كل تلك الأمور تبدو حلولاً مؤقتة أشبه بالمسكنات التي لا يعترف بها عالم الأعمال وهو الأمر الذي دعا كبير المستثمرين بالشركة كيرك كيركوريان (الذي يملك قرابة 10% من أسهمها) للضغط للدخول في تحالف مع رينو الفرنسية ونيسان اليابانية إن أرادت حقاً البقاء والعودة للربحية.
وقد لاقت دعوة كيركوريان تجاوباً سريعاً من مجلس إدارة الشركة والتي أعطت الضوء الأخضر لفتح مداولات (استيضاحية) مع المسؤولين في رينو ونيسان، ورغم أن واغونر حاول البقاء رابط الجأش إلا أن دعوة كيركوريان وردة فعل مجلس إدارة جنرال موتورز السريعة كانت (تنفيساً) عن يأس مجلس الإدارة
والمساهمين من خطط الإدارة الحالية والرغبة في وضع شخص آخر أكثر خبرة وحنكة وموهبة من واغونر والأهم أكثر جرأة والأمر لا يحتاج إلى تنجيم فمجرد ذكر رينو ونيسان كان في الحقيقة خطباً لود كارلوس غصن الرئيس التنفيذي للشركتين معاً وأنجح شخصية في عالم صناعة السيارات في السنوات الأخيرة
والذي سبق وأنقذ نيسان من حافة الانهيار وأعادها للربحية في غضون أقل من سنتين رغم أنها كانت غارقة في ديون بلغت 16 مليار دولار في أهم نقلة تحوّل في تاريخ صناعة السيارات، ورغم أنّ واغونر وغصن التقيا منذ أسابيع واتفقا على منح الشركات الثلاث مهلة 90 يوماً لدراسة جدوى هذا التحالف
إلا أنّه من الواضح أن واغونر كان أقل حماساً من نظيره لعلمه بما يشكله هذا التحالف من وضع أمور جنرال موتورز أيضاً في قبضة غصن رغم نفي الأخير رغبته في تولي منصب الرئيس التنفيذي للشركة الأميركية،
وهذا التوجس هو ما دعا واغونر للمسارعة بزف أخبار ربحية الربع الثاني للشركة والتي تم إعلانها مؤخراً والتي أوضحت تحقيق أرباح تقارب 1.2 مليار دولار وهي نتيجة جيدة للغاية مقارنة بنتائج نفس المدة للعام الماضي وبتوقعات محللي السوق،
ورغم أن النتائج أظهرت خسائر بقيمة 3.2 مليارات دولار إلا أنه لابد من معرفة أن ما يقارب الـ 4.3 مليارات كان مستحقات العمالة المقرر تسريحها بنهاية العام،
والطفرة التي حدثت أتت من وفورات الضمان ومن الدفع بصف من الطرازات الجديدة والتي لا يبدو أنها ستدر الكثير في الربعين الثالث والرابع في ظل أسعار الوقود العالية وتركيز الشركة على سيارات الدفع الرباعي عالية الاستهلاك في حين تتجه شركة مثل هوندا للتركيز على السيارات الصغيرة الاقتصادية وتحقق زيادة في أرباحها الصافية للربع الثاني مقدارها 30%
وتخطط لضخ 1.15 مليار دولار كحوافز للبيع في السوق الأميركية فقط للنيل أكثر من حصة جنرال موتورز والتي تقلصت أصلاً من 27.8 لعام 2005 إلى 24.2 هذا العام والتي يبدو أنها ستتآكل كثيراً مع قدوم الطرازات الجديدة لتويوتا بل وطرازات الشريكة المحتملة نيسان والتي وعد كارلوس غصن بتقديمها قبل نهاية السنة.
لكن أين ستمضي جنرال موتورز في المستقبل؟ في رأيي ليس بعيداً مع واغونر »المتحفظ«.. بل ولا حتى مع كارلوس غصن نفسه فنيسان ليست جنرال موتورز وذلك ما سنتناوله في المقال التالي بإذن الله تعالى.
Awad141@yahoo.com