لا يقرأ المرء أو يسمع اسم «هونغ كونغ» إلا وتتراءى له صورة مينائها الشهير الذي تزين خلفيته ناطحات السحاب التي تشكل في مجموعها عصب الحياة التجارية في تلك المنطقة التي تعد من أقوى المناطق التجارية في العالم، والتي يربو اقتصادها على اقتصاد دولة عظمى مثل فرنسا.

في أواخر الثمانينات من القرن الماضي أيقنت حكومة «هونغ كونغ» مدى حاجتها للتوسع في البنية التحتية لاستيعاب متطلبات مرحلة اقتصادية شديدة التنافس، يتبارى فيها عمالقة الصناعة والتجارة على غزو العالم ببضائعهم التي قال عنها وزير الاقتصاد الياباني: «اليوم تتحدى اليابان أن يوجد بيت في العالم ليست فيه قطعة مكتوب عليها صنع في اليابان»

ولأن «هونغ كونغ» كانت مستعمرة بريطانية إلى عام 1997 عندما عادت إلى الصين التي أبقت على نظامها الرأسمالي للاستفادة من مقوماتها، استفادت حكومتها من التجربة البريطانية في الإدارة الحكومية فأطلقت برنامجاً لإعادة هيكلة الحكومة وذلك لتنويع مصادر الدخل وبالتالي إنشاء بنية تحتية تستطيع استيعاب متطلبات الصناعة والاستيراد والتصدير.

ارتكزت الحكومة في برنامجها «الإصلاحي» إن صح التعبير على مبدأ «القيمة المالية» أو كما تسمى باللغة التجارية «value for money» حيث يقوم هذا المبدأ على التأكد من أن كل فلس يصرف في أمر ما له قيمة ملموسة ومباشرة،

على سبيل المثال إذا صرفت جهة حكومية مبلغ ألف دولار على تدريب موظف البدالة، فإن هذا الاستثمار يجب أن تكون له عوائد ملموسة على المؤسسة كزيادة نسبة رضا العملاء أو زيادة عدد المكالمات التي يرد عليها هذا الموظف يومياً.

ولتصل الحكومة إلى إمكانية تحديد قيمة للأموال التي تصرفها قامت بفصل عملية اتخاذ القرار وتحديد التوجهات العامة للمؤسسة الحكومية عن تنفيذ تلك القرارات والتوجهات على أرض الواقع، وكما هو الحال في العديد من دول العالم،

فصلت الحكومة المؤسسات الخدمية التي تعنى بتقديم خدمة معينة كالنقل العام مثلاً عن الدائرة الحكومية المختصة المواصلات، التي تفرغت بدورها لوضع السياسات والموجهات العامة لعمل جميع المؤسسات التي تتبعها.

ثم قامت الدوائر الحكومية بإبرام عقود بينها وبين تلك المؤسسات التي حددت من خلالها الأهداف غير المالية للمؤسسة، ومؤشرات الأداء الرئيسية لها، والمشاريع التي تلتزم المؤسسة بإنجازها خلال مدة العقد وخطة العمل التشغيلية الخاصة بها، وأخيرا صلاحيات وحدود مدير المؤسسة والفريق الذي يعمل معه.

ولتستطيع الحكومة أن تلزم جميع الأطراف المعنية بهذه العملية، وضعت مجموعة من المحاور أو الموجهات العامة التي يجب أن تكون على قائمة أولويات الإصلاح الإداري وهي:

ـ مراجعة مستمرة للمصروفات العامة وعدم الاكتفاء بالمراجعة السنوية من قبل المدققين.

ـ تقييم دوري للنتائج المرجوة من أي مشروع أو سياسة.

ـ توضيح مسؤوليات الموظفين الحكوميين من أعلى الهرم إلى أدنى موظف في الجهة الحكومية، وإطلاع العملاء على صلاحيات ومسؤوليات كل موظف حكومي لتفادي التلاعب أو التخاذل في العمل.

ـ وضع إطار عمل واضح المعالم والمخرجات لكل قسم أو إدارة حكومية وذلك لمساعدة العاملين فيه على استيعاب العمليات المناطة بهم وبالتالي رفع الكفاءة والفاعلية في الإنتاج والخدمة المقدمة.

ـ توضيح العلاقة بين صناع السياسات الحكومية (الدوائر) ومنفذي هذه السياسات (المؤسسات) وبذلك استطاعت الحكومة تعزيز مفهوم المساءلة والشفافية القائمة على فصل التخطيط عن التنفيذ، فلا تتضارب المصالح ولا تسعى كل دائرة حكومية لإصدار سياسات تعسفية هدفها الرئيس هو الدخل المادي،

وذلك لأن الدوائر الحكومية هنا مدعومة من الحكومة وليست مطالبة بتحصيل ريع مادي في آخر السنة المالية وبالتالي تكون جميع سياساتها وقراراتها موجهة للصالح العام.

واستطاعت الحكومة أن تعزز مبدأ التخطيط طويل المدى بأن جعلت المسؤولية الرئيسية للدوائر الحكومية هي وضع السياسات والأهداف العامة فقط دون التدخل في تفاصيل تطبيق هذه السياسات، ولنكون عمليين في حديثنا فلنفرض بأن دائرة المواصلات وضعت هدفاً لرفع نسبة مستخدمي وسائل النقل العام بمعدل 10% سنوياً

وذلك بناءً على التوجهات العامة للدولة التي ارتأت أن النقل العام سيقلل من الازدحام المروري وسيجعل حركة السير داخل المناطق التجارية أكثر سلاسة. وبعد أن تقوم الدائرة بتحديد المخرجات المرجوة وكيفية قياس هذه المخرجات في فترة زمنية محددة،

تقوم مؤسسة النقل العام التابعة للدائرة بزيادة أسطول حافلاتها بنسبة 5% سنويا وتوسيع سكك الحديد لقطار المترو بنسبة 3% سنوياً وبالتالي تصل إلى تحقيق الهدف التي وضعته لها الدائرة الحكومية.ولكن يبقى السؤال، ما علاقة هذا بالعميل؟ وكيف استطاعت الحكومة من خلال فصل الصلاحيات من أن تقدم خدمة أفضل؟

لقد ساعدت هذه العملية الحكومة على تحديد أولويات تخصيص المصروفات المالية وساعدتها على حصر هذه المصروفات وتصنيفها وتحليلها بشكل دوري تماماً كما تفعل شركات القطاع الخاص التي تراجع عملياتها المالية بعد كل ربع من السنة المالية، ناهيك عن ظهور مفهوم قياس أداء المؤسسات الحكومية الذي أصبح بفضل فصل الاختصاصات أكثر سهولة ودقة.

واستطاعت مؤسسة النقل العام من خلال تركيزها على تنفيذ المشاريع المبرمة في العقد مع الدائرة الحكومية أن تقدم خدمة أفضل بكثير من تلك التي كانت تقدم قبل الفصل، وما ذلك إلا لأنها أصبحت أكثر تخصصا في التنفيذ وأكثر كفاءة في إنجاز الأعمال المناطة بها، ولم تعد شؤون التخطيط وهمومه تقلقها وتشتت انتباهها.

من ناحية أخرى ساهمت عملية إعادة الهيكلة الحكومية في «هونغ كونغ» في تعزيز مبدأ التخطيط بعيد الأمد، حيث ظهرت جهات حكومية مهمتها «التخطيط فقط» دون التفكير في كيفية تنفيذ هذه الخطط ومن هي أفضل الشركات وما هي أرخص الأسعار وما إلى ذلك من تفاصيل تؤدي بصانع القرار إلى مناقشة حيثيات التنفيذ

وبالتالي إهمال الجانب الاستراتيجي وهو الأهم في عمل الحكومة، وما انتشار مرض «سارس» في الصين إلا لانعدام الخطط البيئية والصحية التي لو وجدت لساهمت في الحد من التلوث وبالتالي تفادي الأزمة الاقتصادية التي مرت بها الصين ودول المنطقة جراء انتشار ذلك المرض.

وأخيراً وليس آخرا استطاعت «هونغ كونغ» التقليل من تضارب المصالح بين الحكومة والشعب، فالجهة المشرعة عندما تضع سياسة معينة لا تقوم بذلك إلا بعد أن أخذت في عين الاعتبار جميع الانعكاسات الإيجابية والسلبية على قرارها بعكس الحال في كثير من دول العالم،

حيث نرى أن جهاز الشرطة في بعض الدول مثلا يحدد قيمة المخالفات المرورية ويزيد فيها أو ينقص كيفما يشاء ومن ثم يقوم أفراد الشرطة باستخدام المخالفات المرورية بتشدد وتعسف وما ذلك إلا لتغطية جانب من العجز في الميزانية.

لقد استطاعت «هونغ كونغ» من خلال تطبيق هذا الفصل في الصلاحيات من زيادة فاعلية الحكومة الأمر الذي انعكس إيجاباً على العميل وبالتالي على التجارة بشكل عام، واليوم نرى «هونغ كونغ» تحتل المركز الأول في الحرية الاقتصادية، وفي قيمة الاستثمار الأجنبي للفرد وفي تصدير الساعات، واحتلت المركز الثاني عالمياً في كفاءة الاقتصاد، وفي استيراد الجواهر.

عندما قررت «هونغ كونغ» أن تعيد هيكلة حكومتها كان هدفها هو خدمة العميل، وأيقنت بأن سر النجاح الحكومي يكمن في جودة الخدمة المقدمة، وكما قال طاغور: «كنت نائما فحلمت أن الحياة ليست إلا فرحاً، استيقظت فرأيت الحياة ليست إلا خدمة. خدمت، وفهمت أن الخدمة هي الفرح».

yasser.hareb@gmail.com