يذكر لنا التاريخ قصة حصار المسلمين للقسطنطينية منذ عام 674م وحتى عام 680م في محاولة منهم لإسقاط المدينة التي كانت آنذاك درة الإمبراطورية البيزنطية.
ولكن في تلك الفترة جاء رجل إلى الإمبراطورية اسمه «كالينيكوس» من مدينة بعلبك ـ في لبنان اليوم ـ الذي علمه أحد الكيميائيين في الإسكندرية كيف يصنع ناراً من بعض المواد ـ كالكبريت والقار وغيرهما ـ تحرق كل ما تأتي عليه.
وفي أي مكان حتى ولو كانت تحت الماء ولا يطفئها إلا الخل. وبتلك النار التي كانت تقذف على سفن المسلمين والتي ما كان الماء يزيدها إلا اشتعالاً استطاع البيزنطيون أن يحفظوا القسطنطينية من السقوط.
عندما أقرأ عن النار الإغريقية أتذكر بعض المبادرات الاقتصادية التي ما إن أطلقت حتى أصبح من المستحيل التراجع عنها أو حتى تعديلها، وليس بالضرورة أن تكون هذه المبادرات سلبية الأثر.
ولكن القصد أنها لا يمكن بأي حال من الأحوال إخماد أثرها حتى نهايته. وإحدى أهم هذه المبادرات هي «الخصخصة» التي دائما ما ترتبط في الأذهان برئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر التي أتت إلى السلطة عام 1979.
ولكن قبل تاتشر كان الإغريق هم أول الأمم التي خصخصت الخدمات الحكومية، حيث عهدت الدولة بحفر الأراضي وتسويتها وقطع الأخشاب من الغابات وحفر المناجم إلى تجار كانوا يسخرون الناس أو العبيد مقابل مبلغ زهيد لا يضاهي ما يتقاضونه هم من الدولة.
وقبل تاتشر قامت بلدية نيويورك بتعهيد خدمات تنظيم الشوارع إلى شركات خاصة عام 1676، ولكن يمكننا أن نقول بأن عام 1984 هو البداية الحقيقة لآلية اقتصادية حديثة ومفهوم جديد من مفاهيم الاقتصاد الحديث.
حيث قامت الحكومة البريطانية في ذلك العام بخصخصة مؤسسة الاتصالات البريطانية «ْيُّيَّو شمٌمكٍُ» بأن طرحت 51% من قيمتها للاكتتاب العام، ولضمان عدم سيطرة المستثمرين على غالبية الأسهم تم تقسيطها على المكتتبين عن طريق ربط الأقساط الشهرية بفاتورة الهاتف.
وكلما قلت نسبة الفرد من الأسهم المطلوبة كلما كان حظه أوفر في الحصول عليها، فعلى سبيل المثال الشخص الذي يطلب 400 سهم يحصل عليها جميعها، أما الشخص الذي يحصل على 000 ,100 سهم لا يحصل على شيء، وبذلك استطاع أكثر من مليوني شخص شراء أسهم في الشركة الجديدة التي تعرف اليوم باسم «ش».
ومنذ قدوم تاتشر إلى السلطة وحتى منتصف التسعينات قامت أكثر من سبعين دولة بخصخصة ما قيمته 675 مليار دولار لعدة أسباب أهمها هو تحسين أداء المؤسسات أو الخدمات الحكومية وذلك ببيعها إلى القطاع الخاص، بالإضافة إلى ذلك فإن الدول التي خصخصت خدماتها الحكومية كانت في حاجة ملحة إلى المال وخصوصا الدول التي خلفها الاتحاد السوفييتي بعد سقوطها رهينة الفقر والبطالة.
وللخصخصة أوجه عدة بجانب بيع المؤسسات أو الخدمات الحكومية إلى القطاع الخاص، ومن أهم هذه الأوجه هو طرح الخدمة الحكومية ـ كخدمة النقل العام ـ للاكتتاب العام وتعيين مجلس إدارة ومدير تنفيذي للمؤسسة الجديدة مع التزام المؤسسة بالسياسات العامة للحكومة.
وهي أكثر أوجه الخصخصة اتباعاً، حيث باعت أكثر من ستين دولة ما يقارب نصف تريليون دولار من خدماتها الحكومية على هيئة أسهم بيعت للأفراد والشركات منذ بداية عقد الثمانينات وحتى نهاية التسعينات.
ولقد انقسم الاقتصاديون بشأن نجاح تجارب الخصخصة وفشلها، فالمؤيدون لها يقولون بأن الحكومة لا تطور من مؤسساتها وخدماتها إلا إن دعت حاجة سياسية إلى ذلك ـ كتطوير الصناعات النفطية لتأمين استقلالية الدولة وتقليل اعتمادها على الدول الصناعية ـ كما أن تعيين الموظفين في القطاع الحكومي غالباً ما يكون لمصالح شخصية وأحياناً لأسباب عرقية وطائفية.
ويقول المؤيدون كذلك بأن الشركات التجارية أكثر قدرة على التجاوب مع متطلبات السوق وأكثر سرعة في اتخاذ القرار من مؤسسات القطاع الحكومي التي قد يستغرقها قرار بناء طريق سريع عشرين عاماً كما حصل في إحدى المدن البريطانية.
وكثيراً ما تقوم المؤسسات الحكومية بالتعاقد مع شركات وطنية ـ حتى وإن كانت خدماتها سيئة وأسعارها عالية ـ بحجة دعم الاقتصاد الوطني الذي يؤدي بالنهاية إلى ترهل الخدمات الحكومية وإثقال كاهل الحكومة بالمصروفات والديون.
أما المعارضون للخصخصة فإنهم يقولون بأن الشركات الخاصة لا تهتم بتطوير البلد وجل همها هو المكسب المادي، بالإضافة إلى أن هذه الشركات لا تطور البنية التحتية للمناطق التي لا توجد بها استثمارات تجارية مما أدى إلى وجود مناطق نائية تحيط بمدن عالمية.
ناهيك عن ذلك فإن الشركات الخاصة لا تخضع لمحاسبة الناخبين لها كالمؤسسات الحكومية ـ في النظم الديمقراطية ـ كما أنها ملزمة بتقديم الخدمات الضرورية كالكهرباء والماء للسكان.
وإن كانت حالتهم المادية متردية، وتفرض عليهم رسوما حتى وإن كانوا تحت خط الفقر، مما زاد الدول الفقيرة فقراً، وأخيراً فإن الأرباح التي تجنيها الشركات الخاصة من تقديم الخدمات الحكومية تذهب في جيوب القائمين عليها وحملة الأسهم بعكس المؤسسات الحكومية التي تستثمر أرباحها في تطوير الحياة المعيشية لجميع فئات المجتمع.
وسواء كنا مؤيدين أو معارضين للخصخصة فإنها قد تكون في كثير من الأحيان واقعاً مرتبطاً بفتح الأسواق المحلية للاستثمارات الأجنبية، فمن الصعب أن تستمر حكومة في تحرير أسواقها أمام السلع الأجنبية والمستثمرين الأجانب دون أن تجاريهم في أبسط الخدمات التي تقدمها لهم .
ـ وإن كانت الصين حالة نادرة في إعادة هيكلة اقتصادها وفتحه على الأسواق العالمية دون الخوض في متاهات الخصخصة ـ إلا أن الحكومات يجب أن تراعي النمط التي تنتهجه في خصخصة خدماتها ومؤسساتها حتى لا تقع في المأزق التي وقعت فيه بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق التي عندما أرادت بيع خدمات حيوية كالكهرباء.
والطاقة لم تجد شركات وطنية تستثمر فيها مما اضطرها إلى التعاقد مع شركات أجنبية وبات اقتصادها الوطني وقرارها السياسي مربوطاً بشكل كبير بتوجهات «ورغبات» هذه الشركات العالمية.
وقد تكون تجربة خصخصة اليابان لشركة اتصالات العملاقة «خشش» ذات بعد وطني واقتصادي تجدر الإشارة إليه، فعندما قامت الحكومة بخصخصة أكثر من 65% من المؤسسة على عدة مراحل طرحت الأسهم للاكتتاب العام .
ولم تقم «ببيعها» على مستثمرين ـ محليين أو أجانب ـ بحجة أن المبلغ المطلوب كبير جدا (قرابة 80 مليار دولار) وأنه يصعب على شركة أو مستثمر توفير هذا الاستثمار.
إن للخصخصة «المدروسة» تجارب ناجحة في شرق المعمورة وغربها، ففي دراسة قامت بها مجموعة من الباحثين في أكثر من 40 بلدا تبين أن 139 شركة من أصل 200 تمت خصخصتها كانت نسبة نجاحها تتجاوز 70% ناهيك عن قدرة هذه الشركات على الاقتراض من البنوك .
وليست ملزمة بتمرير طلباتها عبر الحكومة أو البرلمان للموافقة عليها مما يسرع من دوران الأموال ويفعل الاستثمار كما حصل في جامايكا عندما خصخصت الحكومة قطاع الفنادق الذي كانت نسبة كبيرة منه تدار من قبل الحكومة.
وقد يكون للخصخصة «غير المدروسة» وفتح الأسواق تأثيرات سلبية كما حصل في نيوزيلندا التي تعاني من ارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب ـ من أعلى النسب عالميا ـ وارتفاع معدلات الجريمة وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، والتي أفلس نصف مزارعوها لا لشيء إلا لذوبان جميع «ثقافات» الحياة في المجتمع في ثقافة واحدة هي ثقافة الربح والخسارة.
إن الخصخصة وتحرير الأسواق آليات تفرض استخدامها لغة الاقتصاد الحديث، لذلك يجب التعامل معها بوضع إطار عمل وتوجه واضح حتى لا نستيقظ يوماً لنرى أن جميع خدماتنا الحيوية تسيطر عليها الشركات الخاصة - والأجنبية منها خصوصا ـ التي لن تتردد في سحب استثماراتها في أي وقت.
كما حدث لتايلاند خلال أزمة العملة التي عصفت بجنوب شرق آسيا عام 1997 عندما سحب المستثمرون أموالهم حين بدأت قيمة العملة التايلندية «البات» في النزول مما أدى بها إلى الانهيار السريع.
إن تجربة دول جنوب شرق آسيا في فتح الأسواق وخصخصة الخدمات الحكومية حرية بالتمعن، فقد كان يمكن للنمور الأسيوية أن تكون اليوم من أقوى الكتل الاقتصادية في العالم إلا أنها عندما حررت سياساتها الاقتصادية لم تقرأ التاريخ جيداً .
وكأنها نسيت أن النار الإغريقية التي استخدمها الرومان قبل ألف عام مازالت جذوتها تشتعل في نفوس البعض ولن تنطفئ ما دامت سفنها التجارية تجوب البحار جيئة وذهابا.
yasser.hareb@gmail.com