ورد في تقرير «أهداف تطوير الألفية» الصادر عن الأمم المتحدة أن أكثر من مليار شخص يعيشون بأقل من دولار أميركي في اليوم، وأن أكثر من ربع الأطفال الذين هم تحت سن الخامسة في الدول النامية يعانون من سوء التغذية والمجاعة مما يتسبب بموت نصف الأطفال في العالم كما تقول اليونيسيف.

وورد في التقرير أيضاً أن الأوضاع المعيشية في آسيا بدأت بالتحسن بصورة طفيفة بسبب نمو اقتصاد الصين والهند، الأمر الذي انعكس بصور إيجابية على الدول المجاورة، ولكن ما زالت المجاعات في تزايد في افريقيا بسبب الحروب والكوارث الطبيعية.

فمن أصل 13 مليون شخص ماتوا بين عامي 1994 و2003 بسبب الحروب قتل في افريقيا وحدها 12 مليون شخص، ويعتبر الفقر والجوع من العوامل التي تغذي التناحر بين القبائل والميليشيات في افريقيا السوداء.

وللحد من المجاعات والحروب والأمراض التي تعاني منها البشرية أطلقت دول العالم «إعلان الأمم المتحدة للألفية» التي اشتقت منه مجموعة أهداف لتحسين أوضاع البشرية في الألفية الجديدة كان أولها هو استئصال الفقر المدقع والمجاعات من جميع بقاع المعمورة.

ولقد استفادت الأمم المتحدة من بعض المبادرات التي أطلقتها بعض المنظمات و الدول للحد من الفقر والمجاعة كتجربة بنجلاديش في توفير مصدر دخل للفقراء بدلاً من أن تعطي الدولة والمحسنون مساعدات عاجلة للمحتاجين ليستنفدوها خلال أيام قليلة ويعودوا بعدها إلى حالهم الأول.

ففي عام 1974م قام شخص يدعى محمد يونس بالتعاون مع جامعة «شيتاغونغ» في بنجلاديش بإطلاق مشروع بحثي قائم على توفير قروض بسيطة للفقراء والمحتاجين ليؤسسوا مشاريع صغيرة تساعدهم على الحصول على قوت يومهم، كأن يشتروا لامرأة ما ماكينة خياطة ويعلموها كيفية استخدامها وكيف ترتب فواتيرها وكيف تمسك الدفاتر المالية.

بدأ المشروع في قرية «جوبرا» القريبة من الجامعة ثم امتد إلى القرى المجاورة ليحقق نجاحات كبيرة في فترة زمنية قياسية، وأطلق على هذا المشروع اسم «بنك القرية» ليتحول في 1983 إلى بنك مسجل لدى السلطات الرسمية كأي بنك آخر.

تقوم فكرة البنك على عدم إعطاء المحتاج - بعد التأكد من مطابقته للشروط - القرض في يده، ولكن تقوم فرق البنك المتخصصة بتحديد الحرفة أو المشروع الذي يستطيع المحتاج العمل به ومن ثم يقوم الفريق بشراء المعدات الضرورية وتجهيز المكان وتدريب هذا المحتاج على أساسيات التعاملات التجارية وكيفية إدارة الأموال.

ويتم الاتفاق معه على شروط سداد مريحة من ناحية القيمة والوقت ولكن صارمة من ناحية الانضباط، فالإخلال بشرط واحد كفيل بإلغاء المشروع وبيع أصوله، ولأن المبالغ المقرضة صغيرة جداً - حيث تبدأ من 40 دولاراً أميركياً - أطلق عليها اسم Microcredits أو القروض «المجهرية» إن صحت الترجمة.

وفي الغالب لا يعطى القرض لشخص واحد فقط في المشروع، وإنما يتم إشراك مجموعة أشخاص معه حتى تتوزع المسؤولية بينهم ويتعاونوا على تشجيع ومحاسبة بعضهم البعض، فإن أخفق أحدهم يتخذ البنك إجراءات صارمة تجاه الجميع، مما يضع جميع الشركاء موضع الرقيب الذي يحرصون على إنجاح المشروع بشتى الوسائل والطرق.

بالإضافة إلى ذلك فإن لدى البنك مفتشين يذرعون البلاد طولا وعرضا على دراجات هوائية يطلق عليهم اسم Bicycle bankers للتدقيق على حسابات المقترضين والتأكد من أن مشاريعهم تمشي حسب الخطة المتفق عليها.

لقد راهن الكثيرون على فشل تجربة البنك في المدى القريب ولكن النتائج تقول غير ذلك، فقد أقرض البنك منذ إنشائه وحتى نهاية عام 2005م أكثر من 76 ,4 ملايين بنغالي تشكل النساء منهم نسبة 96% .

وأصبح لدى البنك 1537 فرعا موزعة على 54022 قرية في جميع أنحاء بنجلاديش يعمل بها 13947 موظفا. والمدهش في الأمر أن نسبة سداد القروض وصلت إلى 95 ,98% أي ما يعادل 38,4 مليارات دولار أميركي من أصل 9,4 مليارات دولار.

ولم تقف تجربة البنك عند هذا الحد، بل تجاوزته إلى تأسيس ثماني مؤسسات تعمل غالبيتها بصفة غير ربحية أبرزها هي مؤسسة (اتصالات القرية) التي تهدف إلى إيصال خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى جميع المناطق النائية في بنجلاديش. حيث يقوم البنك بإقراض النساء بشكل خاص.

- وذلك لأنهن أكثر نجاحاً حسب تجربة البنك - مبلغ 5 ,312 دولارا أميركيا لشراء جهاز هاتف عمومي وتركيبه في محالهن على أن يدفع هذا المبلغ مباشرة من البنك إلى مؤسسة «اتصالات القرية».

وإن تعذر تمديد هاتف أرضي تقم المؤسسة بتركيب هاتف جوال عوضاً عنه، ثم تقوم المقترضة ببيع خدمة الاتصال إلى الناس حسب التسعيرة، وتسدد القرض على شكل أقساط أسبوعية خلال سنتين أو ثلاث حسب الشروط المتفق عليها مع البنك ومن غير فوائد.

وكانت النتيجة أن أصبح دخل الشخص من هذه الخدمة 52 دولارا شهريا وهو دخل لا بأس به إذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بنجلاديش يبلغ 262 دولاراً.

لقد حققت تجربة بنك القرية في بنجلاديش نجاحاً منقطع النظير، فلقد عمّ الخير وانتشر أثر هذه القروض على أكثر من خمسين مليون شخص، حيث تحسنت أوضاعهم المعيشية لدرجة حصولهم على ثلاث وجبات يومياً،.

واستطاعت الأسر أن ترسل أبناءها وبناتها إلى المدارس - الأمر الذي كان مقصوراً على الأغنياء فقط - واستطاعت هذه التجربة أن تنتشل أكثر من أربعين مليون شخص من براثن المجاعات والأوبئة .

واستمرت في دعمهم إلى أن تجاوزوا خط الفقر، واستطاع القائمون على هذه التجربة أن يغيروا من ثقافة العبودية والعمل المضني إلى ثقافة الاستثمار التجاري وتنمية المهارات الفردية والجماعية لتحقيق الكسب الشريف.

واليوم قام البنك الدولي بتعميم هذه التجربة على أكثر من ثلاثين بلداً من البلدان الفقيرة في العالم ـ وغالبيتها في افريقيا ـ ليخفف من وطأة الجوع ومذلة الفقر على مئات الملايين من الناس ويحقق لهم أبسط حاجات الحياة كما تقول «آنا روزي» من نيكاراجوا:

«قبل أن أحصل على قرض المئة دولار لأبدأ مشروعي كنت أعيش مع أطفالي في كوخ من الخشب، لم نكن نعرف ما هو الأثاث ولم يستطع أطفالي دخول المدرسة التي كانت حلماً بالنسبة لهم. أما اليوم فأصبح باستطاعتهم أن يذهبوا إلى المدرسة وأصبح باستطاعتهم أن يجلسوا على كراسي بلاستيكية في المنزل ولم يعودوا في حاجة للجلوس على الأرض الموحلة.

قبل القرض كان أطفالي ينامون من شدة الجوع والمرض، أما اليوم فإنهم ينامون بعد تعبهم من كثرة اللعب والمرح... وبعد اليوم لن أسمح للفقر أن يدخل منزلنا مرة ثانية».

yasser.hareb@gmail.com