سنغافورة أو «مدينة الأسد» كما تعني بلغة الملايو، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الأمير «سانغ أوتاما» في القرن الخامس عشر وذلك لأن أول ما رآه عند نزوله على الجزيرة كان أسدا ـ حسب ما تقول الأسطورة .

- وهي أيضا «تيماسك» كما كان يسميها «الجافانيون» قديماً وهم الذين تنحدر أصولهم من جزيرة جافا، والذين يشكلون اليوم طائفة عرقية تضم أكثر من تسعين مليون نسمة وهي إحدى أكبر الطوائف في شرق آسيا وأكبر طائفة في أندونيسيا.

سنغافورة التي حصلت على استقلالها رسمياً من ماليزيا في السابع من أغسطس عام 1965م نتيجة للسعي الحثيث لأول رئيس وزراء لها وهو «لي كوان يو» الذي يعد بحق مؤسس سنغافورة الحديثة، تتقدم اليوم مصاف الدول الكبرى في مجالات عدة كالتعليم والصحة والاقتصاد والعمل الحكومي.

وبالرغم من صغر مساحتها التي تبلغ 699 كم وافتقارها للموارد الطبيعية، إلا أنها استطاعت خلال أربعين عاماً من العمل الدؤوب أن تحقق ناتجاً محلياً إجمالياً بلغ 124 مليار دولار عام 2005.

لقد ارتكزت سنغافورة على العديد من المبادرات لتحقيق هذا النجاح وكان أهم هذه المبادرات هي إعادة الهيكلة الحكومية، وبالرغم من حداثة سنها كدولة إلا أنها ارتأت في الثمانينات من القرن الماضي أن رياضيات العصر الحديث تتطلب التعامل مع معادلات جديدة ومعطيات لم تعهدها الدول من قبل.

وبدلا من أن تتجه الحكومة إلى إعادة هيكلة جذرية كمثيلاتها من دول العالم كنيوزيلاندا مثلاً، فضلت أن تغير «ثقافة» ومفاهيم العمل الحكومي وذلك لأن الإنسان قد يخرق القوانين والنظم ولكن لا يمكن لشخص أن يخرق قناعاته.

بدأت الحكومة في الثمانينات بتحديد ستة محاور للتغيير وهي:

* إدخال المفاهيم التجارية في الإدارة الحكومية.

* وضع أهداف للمؤسسات والمبادرات الحكومية ومؤشرات لقياس أدائها.

* خصخصة المؤسسات أو القطاعات الخدمية الحكومية.

* إعادة هيكلة نظام الموارد البشرية.

* تغيير مرتكزات العمل الحكومي لتتمحور حول العميل (العميل أولاً).

* تأسيس مجالس القرى.

ولتحقيق هذه المحاور استخدمت الحكومة استراتيجيات عدة أهمها تعزيز المبادرة والإبداع في العمل الحكومي من خلال تشجيع الموظفين على التطوير ووضع نظام للمكافآت، واستخدام أدوات وأساليب إدارية حديثة.

وخصوصاً تلك التي يستخدمها القطاع الخاص مع تعديلها كلما لزم الأمر لتتناسب مع طبيعة العمل الحكومي، وأخيراً اهتمت الحكومة بتطبيق الوسائل التكنولوجية ما أمكنها لرفع كفاءة العمل الحكومي.

وبدأت الحكومة بادئ الأمر بإعطاء الوزراء صلاحيات أكبر لإدارة الميزانية المخصصة لهم من دون الحاجة للرجوع إلى وزارة المالية للحصول على موافقات إلا فيما يتعلق بتعيين أو ترقية أصحاب المناصب الرفيعة، وتم تخصيص ميزانية كل وزارة كجزء من الناتج المحلي الإجمالي وذلك حتى تتحمل كل وزارة مسؤولية التأثير السلبي أو الإيجابي على الميزانية العامة للدولة.

ثم قامت الحكومة بخصخصة قطاعات حيوية كالاتصالات وقطاع الطيران مع الاحتفاظ بحق التصرف بهذه القطاعات بناءً على الاتفاقية المبرمة بين الحكومة والقطاع الخاص، ونتج عن ذلك أن أصبحت شركة الطيران السنغافوري من أرقى وأفضل شركات الطيران في العالم.

وقامت الحكومة أيضاً بتأسيس مجلس لكل قرية، وأعطته صلاحيات هذه المجالس في الإشراف على الإسكان الحكومي، وخصصت لكل مجلس مبالغ مالية لبناء مساكن جديدة أو لإعادة تأهيل المساكن القديمة وحل النزاعات بين السكان فيما يتعلق بالأراضي، وهي بذلك أزالت عبئاً ثقيلا من على كاهلها لتتفرغ للتطوير الحكومي.

بالإضافة إلى أن القائمين على المجالس هم من سكان المنطقة وهم أكثر معرفة من الحكومة بأوضاع المناطق وأكثر قدرة على الاستجابة السريعة لمطالب السكان.

ثم قامت الحكومة بعد ذلك بإعادة هيكلة نظام الموارد البشرية في القطاع الحكومي لتعطي الوزارات والمؤسسات الحكومية صلاحيات أكبر- كما ذكرنا - في التعيينات والترقيات.

بالإضافة إلى التركيز على تدريب وتأهيل الموظفين الحكوميين وأسست لذلك «معهد الخدمة المدنية» الذي يقدم دورات متخصصة في القطاع الحكومي. ولم تغفل الحكومة الجانب الأهم في أعمالها اليومية وهو العميل، فقامت بتأهيل موظفيها في مجال خدمة العملاء.

وأعطت الموظفين الذين يتعاملون مع العملاء مباشرة أو كما تسميهم «كَُُِّّمْ َُّّفنن» مميزات مالية تختلف عن باقي الموظفين، كما وضعت نظاماً للمكافآت المالية للذين يحصلون على درجات عالية في خانة «رضا العملاء» الموجودة في استمارة تقييمهم السنوي.

وفي عام 1995م وضعت الحكومة رؤية تتمثل في بناء قطاع حكومي فعال يتأقلم مع التغيرات العالمية، وقام رئيس الوزراء بنفسه بقيادة هذه الرؤية من خلال تعزيز ثقافة التميز والجودة لتحقيق تطلعات العملاء، وصناعة بيئة تتطلع إلى التطوير وتتعامل مع التغيير بمرونة وإيجابية. وتم تشكيل لجنة رئيسية للإشراف على تطبيق الرؤية انبثقت عنها أربع لجان فرعية هي:

* لجنة راحة الموظفين: وهي التي تقوم على ضمان تناسب بيئة العمل مع الاحتياجات البدنية والنفسية للموظفين وذلك حفاظاً على صحتهم أولاً ولرفع ثقتهم بأنفسهم ثانياً وللتأكد من أن كل موظف يعمل في المكان المناسب وحسب قدراته وتطلعاته.

* لجنة التميز: تهدف هذه اللجنة إلى صناعة بيئة عمل تنظر بإيجابية للتغيير وترنو بنفوس الموظفين إلى التطوير المستمر من خلال وضع نظام لتلقي اقتراحاتهم وأفكارهم والعمل على تطبيقها إن صلحت والتأكد من مكافأة كل موظف على كل فكرة بناءة قدمها لتطوير عمله.

* لجنة مراجعة النظم: وهي التي تقوم على تعديل القوانين والأنظمة الخاصة بالعمل إلى أنظمة تتماشى مع التوجه الجديد للحكومة، ومن هذه اللجنة انبثقت فكرة المؤسسات الحكومية «المستقلة» التي تقدم الخدمات فقط، أما ما يتعلق بالاستراتيجيات والسياسات فقد بقت من ضمن اختصاصات الوزارات.

* لجنة الجودة والخدمات: تقوم هذه اللجنة على تطبيق معايير الجودة في جميع العمليات الحكومية لتحقيق التميز في القطاع الحكومي ووضع نظام يلزم جميع العاملين باتباع الإجراءات التي من شأنها أن تسهل الأعمال اليومية على الموظف والعميل معاً، وكان من نتائج هذه اللجنة أن أطلقت الحكومة الإلكترونية التي تحتل اليوم المركز السابع عالمياً حسب تصنيف الأمم المتحدة.

إن ما حققته سنغافورة هذه الدولة الصغيرة منذ عقد الثمانينات وحتى اليوم يتعدى كونه نمواً «سريعاً» أو طفرة اقتصادية، فكثيرة هي الدول التي تطورت ونمت بصورة أشبه بالخيال في هذه الفترة، ولكن قليلة هي تلك الدول التي استمرت في نموها أو على الأقل صمدت في وجه التغيرات العالمية.

وسنغافورة هي إحدى الدول القلائل التي لم ينهر اقتصادها في الأزمة التي عصفت بشرق آسيا عام 1997، التي خسرت فيها ماليزيا 50% من قيمة عملتها «الرينجنت» .

وانخفض مؤشر بورصتها من 1200 نقطة إلى 600 نقطة، وكانت سنغافورة واليابان العمودين اللذين ارتكز عليهما اقتصاد تلك المنطقة، وكانت سنغافورة ولا تزال الدولة التي تحلق وتحط دائماً على قمة التصنيفات العالمية.

الرئيس التنفيذي لهيئة رأس الخيمة للاستثمار

yasser.hareb@gmail.com