«سنخصص 150 مليون جنيه استرليني لإنشاء مرافق رياضية متعددة الأغراض في المدارس، وسنقوم بتأسيس 110 كليات رياضية متخصصة لتكون جاهزة في 2003.

وسنوفر 160 مليون جنيه لإعداد 600 مدرب ومنسق يقومون على تدريب الطلبة وتأهيلهم رياضياً، وسوف نضع برنامجاً للرياضيين المتميزين لزيارة المدارس والتحدث إلى الطلبة عن أهمية الرياضة وتشجيعهم على ممارستها.

وسوف نخصص 125 مليون جنيه لإعادة تأهيل المسطحات الخضراء في المناطق السكنية وبناء مراكز رياضية جديدة، وسوف ننشئ جهازاً يقوم على مراقبة استخدام المساحات المفتوحة المخصصة للرياضة ومعاقبة الذين يضرون بها، وسوف نطلق بوابة إلكترونية شاملة توفر معلومات في جميع المجالات الرياضية ولجميع الفئات والأعمار».

هذه بعض الحلول السريعة أو كما اصطلح على تسميتها « quick wi» التي وضعتها الحكومة البريطانية لإعطاء القطاع الرياضي حقنة أدرينالين تبث في عروقه نشوة العمل والتغيير، وتؤكد التزام الحكومة بتطوير القطاع الرياضي.

وبعد أن استعرضنا في المقالات السابقة الأوضاع الرياضية في إنجلترا وأهمية الرياضة للمجتمع، وما هو الدور المطلوب من الحكومة أن تلعبه، نتحدث اليوم عن «الخطة الوطنية للتنمية الرياضية» التي أطلقت عام 2004 لتكون خطة عمل ذات أهداف واضحة ومؤشرات أداء لكل قطاع رياضي، تفرعت منها تسعة خطط عمل لتشمل جميع أقاليم إنجلترا.

يعتبر 2004 هو عام الانطلاقة الحقيقية للتنمية الرياضية في إنجلترا، ففي هذا العام تم وضع رؤية طموحة للرياضة تتمثل في جعل إنجلترا أكثر الأمم نشاطاً وأكثرها تفوقاً رياضياً على مستوى العالم، وانبثقت من هذه الرؤية ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في:

1- جعل الإنجليز نشيطين، من خلال مساعدتهم على البدء والاستمرار بممارسة الرياضة وتوسيع قاعدة الرياضيين ـ الأسوياء وذوو الاحتياجات الخاصة ـ في جميع الرياضات بغض النظر عن أعمارهم وانتماءاتهم العرقية والدينية، ومن خلال بناء شبكة أندية رياضية ومدربين ومتطوعين رياضيين يشكلون في مجموعهم البنية التحتية للرياضة في إنجلترا.

2- جعل الإنجليز متفوقين، من خلال تبني المواهب الرياضية الشابة وتوفير الدعم اللازم لها لتحقيق انتصارات رياضية عالمية، بالإضافة إلى استثمار التفوق الرياضي في بعض الألعاب مثل «الرجبي» في تسويق أهمية كون الإنجليزي بطلاً رياضياً عالمياً.

3- دعم ترشيح لندن لاحتضان الألعاب الأولمبية لعام 2012، من خلال بناء بنية تحتية عالية المستوى لتنعش الاقتصاد والسياحة في العاصمة البريطانية ولتكون إرثاً رياضياً للأجيال القادمة.

ولجعل الرؤية أكثر وضوحاً وتحديداً فإن الهدف الملموس هو جعل 70% من الإنجليز يمارسون الرياضة لمدة ثلاثين دقيقة خمسة أيام في الأسبوع بحلول عام 2020.

ولتحقيق هذه الرؤية تم تحديد ستة محاور عمل رئيسية ذات أهداف واضحة استُشفت من المقارنات المعيارية مع أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، لتحقيق نمو لا يقل عن 1% سنوياً في عدد الأفراد الذين يمارسون الرياضة، وهذه المحاور كالتالي:

1- تسويق وترويج الرياضة: وضعت الحكومة خطة تسويقية عنوانها «30 دقيقة في اليوم» أي ممارسة الرياضة لمدة ثلاثين دقيقة يومياً لمدة خمسة أيام في الأسبوع لتحقيق نسبة نمو في المشاركة قدرها 1% سنوياً (ذكرنا سابقاً بأن ممارسة 10% من الإنجليز للرياضة لمدة ثلاثين دقيقة يومياً سيؤدي إلى توفير نصف مليار جنيه استرليني في الصرف على علاج الأمراض).

2- تعديل القوانين والتشريعات: قامت الحكومة بمراجعة القوانين والتشريعات التي تتعلق بالقطاع الرياضي وأدخلت عليها بعض التعديلات التي من شأنها أن تشجع القطاعين الحكومي والخاص على الاستثمار في الرياضة، فوضعت مؤشرات أداء لكل مؤسسة حكومية رياضية .

وربطت حجم الدعم المقدم لها بالنتائج والإنجازات التي تحققها هذه المؤسسات وخصوصاً فيما يتعلق بالمساهمة في رفع نسبة ممارسة الأفراد للأنشطة الرياضية، فكلما زادت النسبة زاد الدعم الحكومي والعكس صحيح.

كما قامت بوضع إطار عمل «قانوني» يلغي أو يخفف الضرائب عن المؤسسات التي تسمح لموظفيها بممارسة أنشطة رياضية بشكل يومي، ووضعت نظاماً لقياس نسب المشاركة، كما خففت الضرائب بنسب لا بأس بها للمؤسسات التي يعمل بها مدربون رياضيون وتسمح لهم بتخصيص جزء من وقتهم لتدريب أفراد المجتمع.

3- تطبيق نظم الجودة والمعايير العالمية: وضعت الحكومة برنامجاً للأداء الرياضي المتميز يقوم على تقييم عمل المؤسسات الرياضية وتصنيفها على مستوى بريطانيا والعالم، وتكريم المؤسسات ذات المراكز المتقدمة وضمان حصولها على تسهيلات حكومية وتغطية إعلامية لبرامجها وأنشطتها.

ولضمان استمرار التميز في دعم الرياضة قامت الحكومة أيضاً بإنشاء جهاز إداري معني بمراقبة تطبيق معايير الجودة في المراكز الرياضية والأندية الصحية لضمان تحقيقها للأهداف الموضوعة في الخطة الوطنية.

4- إعادة الهيكلة وتنويع الشراكات: بعد أن انتهت الحكومة من إعادة هيكلة بعض المؤسسات الرياضية الحكومية ووضع خطة عمل وطنية للتنمية الرياضية، قامت بالتعاون مع المؤسسات الرياضية المحلية - أي التي يكون اختصاصها في نطاق إقليم معين كشرق إنجلترا مثلاً ـ بوضع خطط عمل للتنمية الرياضية على مستوى الإقليم.

أخذت فيها بعين الاعتبار المقومات الخاصة بكل إقليم من ناحية الطقس والموارد المالية وثقافة الساكنين فيه وأنواع الرياضات المفضلة والمناسبة له، لينتج عن هذه التجربة خطط عملية لأقاليم إنجلترا التسعة.

كما قامت الحكومة بمنح مؤسسات القطاع الخاص فرصة للعب دور أكبر في التنمية الرياضية واعتبار المؤسسات الخاصة شريكاً استراتيجياً في هذه المسيرة عن طريق إشراكه في إعداد بعض جوانب خطط العمل، ولم تغفل أهمية الدور الذي يلعبه المتطوعون الذين يشكلون مليوناً ونصف المليون متطوع في مجال الرياضة يعملون في طول البلاد وعرضها.

5- تشجيع الإبداع وتكريم الإنجازات: خصصت الحكومة مبلغ مئة مليون جنيه استرليني للباحثين الذين يأتون بأفكار وبرامج متميزة لدعم التنمية الرياضية، كما خصصت جزءاً من هذا المبلغ للذين يعملون على دراسة أفضل الممارسات العالمية في مختلف القطاعات الرياضية وإيصالها إلى المجتمع بصورة فعالة.

كما ستقوم الحكومة بإنشاء مراكز رياضية في المجمعات السكنية ذات طابع جديد يشجع مشاركة جميع أفراد العائلة ويقدم إلى جانب الخدمات الرياضية خدمات اجتماعية.

6- التخطيط الاستراتيجي: كما ذكرنا آنفاً فإن جميع خطط الأقاليم للتنمية الرياضية انبثقت من خطة عمل وطنية، حددت التوجهات العامة للرياضة وإطار العمل التنموي.

بالإضافة إلى ذلك وضعت الحكومة معايير للمعلومات الرياضية التي تستخدم في الدراسات بشكل عام وفي اتخاذ القرار بشكل خاص، ويفضل أن تؤخذ هذه الأرقام من جهات مختصة مثل دائرة الصحة في بريطانيا والابتعاد عن الفرضيات التي قد تؤدي إلى اتخاذ قرارات في غير محلها.

ولتكون هذه الخطة فعالة فقد تم تحديد ثلاثة مخرجات رئيسية يقاس عليها نجاح الخطة من فشلها وهي:

* البدء في ممارسة الرياضة: ارتفاع ممارسة الرياضة بنسبة 1% سنوياً، ورتق الفجوة بين التمويل الحكومي للرياضة والفئات المجتمعية المهملة كالأقليات العرقية والدينية.

* الاستمرار في ممارسة الرياضية: ارتفاع عدد الأعضاء في الأندية الرياضية والمراكز الصحية، وارتفاع نسبة الذين يحصلون على تدريب احترافي من قبل مدربين واختصاصيين وبالتالي ارتفاع أعداد الرياضيين في إنجلترا.

* التميز الرياضي: أن تكون إنجلترا أفضل أمة رياضية في عام 2020.

وفي النهاية لابد من أن نشير إلى أحد الإنجازات التي حققتها إنجلترا وهي فوزها باستضافة الألعاب الأولمبية لعام 2012 التي أطلق عليها «لندن 2012» وما ذلك إلا نتيجة للعمل الدؤوب الذي قامت به الحكومة منذ عام 2000 وهو عمل لم تكن الأولمبياد محوره ولكنه كان أشمل من ذلك بكثير، لأنه وضع التنمية البشرية في أعلى سلم أولويات الحكومة.

وليكن الختام مع هذه الكلمات الجميلة التي سطرها الباحثون الذين أطلقوا الشرارة الأولى للتنمية الرياضية في إنجلترا حيث قالوا: «الرياضة تحدد هوية الأمة، فهي تعلمنا أشياء كثيرة عن الحياة، تعلمنا الانضباط والعمل ضمن فريق، تعلمنا كيف نفوز بشرف وكيف نخسر بكرامة. وهي تحافظ على صحتنا وتمنحنا لياقة بدنية، وهي أخيراً تشكل جزءاً رئيسياً من ثقافتنا ومن حياتنا».

yasser.hareb@gmai.com