تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الوضع الرياضي في إنجلترا وكيف أن خلو الساحة الرياضية من خطة تنموية شاملة أدت إلى ارتفاع بعض المشكلات الصحية صاحبها زيادة في صرف الحكومة على علاج هذه المشكلات وصل إلى حد الملياري جنيه استرليني سنوياً.

ناهيك عن الفرص الاستثمارية التي خسرتها بريطانيا في الفوز بتنظيم العديد من البطولات العالمية، واستعرضنا بعض أسباب تلك المظاهر التي دفعت الحكومة إلى إطلاق خطة عمل طموحة لتحقيق نهضة رياضية صحية على مستوى إنجلترا.

واليوم نتحدث عن قيمة الرياضة للمجتمع والدولة وكيف تلعب هذه «الصناعة» إن صح التعبير دوراً محورياً في المجتمع، فعند الحديث عن الفوائد التي يجنيها الفرد والحكومة والمجتمع بشكل عام من الرياضة فإننا لا نتحدث عن تحقيق تطور ونمو في المجالات الصحية فقط .

ولكننا نرمي إلى أبعد من ذلك بكثير، فالتنمية الرياضية إلى جانب أنها تحقق الشعور بالرضا النفسي وتساهم في زيادة الروابط الاجتماعية من خلال الأنشطة والتمارين المشتركة ناهيك عن حياة صحية تدفع بالفرد إلى الإنتاج والعمل، فإنها حريّة بتطوير مخرجات التعليم وتقليل نسب الجريمة وتحسين الاقتصاد وتوفير فرص استثمارية قد تصل عوائدها الصافية إلى 25 مليار دولار أميركي .

كما حدث لليابان عندما استضافت نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2002، وقد توفر 90 ألف وظيفة كما حدث في أستراليا لاحتضانها أولمبياد سيدني 2000.

إن الرياضة عدا عن كونها من أهم الوسائل لتخفيض السمنة والكولسترول وأمراض القلب وبعض أمراض السرطان وتقوية العضلات...الخ، فإنها أيضاً من أهم وسائل الترفيه والتقليل من أعباء الحياة.

فأذكر أنني قرأت قصة عن ذلك الشخص الذي كان يعيش حياة ضنكاً وكان دائم الشجار مع زوجته وأولاده وأسرته حتى فارقه النوم ونحل جسمه فقرر الانتحار ليتخلص من حياته البشعة، واختار أن يجري حتى يموت فخرج إلى الشارع .

واستمر يجري ويجري حتى أنهكه التعب فعاد إلى بيته وألقى بنفسه على السرير وغط في نوم عميق لم يعهده من قبل. استيقظ في اليوم الثاني وقرر أن يجري مرة أخرى حتى يموت فخرج وأخذ يجري ويجري حتى تعب وعاد إلى بيته وغط في نوم أعمق من اليوم السابق.

واستمر على هذه الحال أياماً فلاحظ أنه بدأ ينام بعمق وأصبح أكثر قدرة على التعامل مع ضغوط الحياة وطلبات الزوجة والخلافات الأسرية، فعلم أن الجري أو الرياضة هي التي مكنته من أخذ زمام الأمور في حياته وتوجيه دفتها إلى الطريق الذي يريد فقال مقولة جميلة: «كنت أجري لأموت فأصبحت أجري لأحيا».

وفي دراسة قام بها المنتدى الوطني للقلب في بريطانيا تبين أن تخفيض الكولسترول بنسبة 10% وزيادة الأنشطة الرياضية بنسبة 10% وتقليل السمنة بنسبة 2% وتقليل التدخين بنسبة 5% (أي أقل من عشرة سجائر في اليوم) حريّ أن تقلل من أمراض القلب بنسبة لا تقل عن 30%.

وبالنسبة للأطفال فإن أخطر ما يواجهونه هو السمنة التي ارتفعت بنسبة كبيرة بينهم مما زاد من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم (نعم هناك أطفال مصابون بارتفاع ضغط الدم في بريطانيا) ناهيك عن أمراض السكري، والأخطر من ذلك هي الأمراض المتعلقة بالهرمونات والتي تعد أصعب الأمراض علاجاً وأكثرها تأثيراً على النسل والأجيال القادمة.

أما الغريب فهو إصابة أطفال في بريطانيا بمشكلات تتعلق بآلام في المفاصل والعظام والعضلات وهي مشكلات يعاني منها عادةً كبار السن مما يدق ناقوس الخطر وينذر بأمراض مزمنة بعد سن البلوغ.

أما بالنسبة للبالغين فقد ارتفعت السمنة بين الرجال منهم من 6% عام 1980 إلى 17% عام 1999 لتصل تكلفة الرجل إلى 75 جنيهاً لكل يوم أو ما قيمته مليارا جنيه سنوياً للبالغين عموماً أي ما يعادل مصروفات مملكة البحرين لعام 2005.

ولو أن كل إنجليزي بالغ زاد في ممارسته للرياضة بنسبة 10% لكان من الممكن توفير نصف مليار جنيه، الأمر الذي يتطلب بذل جهود أكبر من الحكومة لتشجيع ممارسة الرياضة وهو أحد الأهداف التي وضعتها الحكومة نصب عينها عندما أطلقت مبادرة «نطاق العمل الوطني للرياضة» التي سنستعرضها في مقال لاحق إن شاء الله.

يمارس الطالب في معظم دول العالم الرياضة في المدرسة منذ المراحل الأولى وحتى تخرجه من الثانوية العامة أو المرحلة النهائية من التعليم العام، وفي دولنا العربية عامة ودول الخليج خاصة تمارس الرياضة في المدرسة على هيئة ألعاب تنافسية ككرة القدم أو السلة أو اليد أو غيرها من الرياضات.

وأذكر أنني عندما كنت في الصف السادس الابتدائي وفي إحدى حصص «الجمباز» أمرنا المدرس بأن نقفز من فوق عمود حديدي ارتفاعه مترين لنقع على مرتبة أسفنجية في الطرف الآخر وعندما حاولنا لم يستطع أحد منا تنفيذ ذلك «الأمر» فأدى بنا إلى أن استمعنا إلى محاضرة طويلة عن فشلنا وضعفنا وعن المستقبل الأسود الذي ينتظرنا.

وأذكر أنني بقيت بعدها إلى سن معينة أكره الرياضة وخصوصاً ألعاب القوى وكنت على يقين تام بأنني لن أنجح في أي رياضة في حياتي لذلك كنت أكتفي بمشاهدة المباريات الرياضية والتفاعل معها، وغيري هم كثر بل إن لم يكونوا أغلب الذين تخرجوا على أيدي مدرسين «تربية رياضية» كصاحبنا هذا.

وبغض النظر على مدى كفاءة مدرسي الرياضة في مدارسنا الحكومية أو الخاصة فإن الرياضة هنا لا تعدو كونها وسيلة من وسائل الترفيه عن النفس في يوم حافل «بالأوامر» والعقوبات أو للهروب من الحصص الدراسية في حال انتظم الطالب في فريق المدرسة الرسمي الأمر الذي أفقد الرياضة أهميتها التربوية والنفسية بل إنها تحولت إلى أحد أسباب انعدام الثقة لدى الطلبة.

وإحساسهم بعدم القدرة على تحقيق أهدافهم الحياتية. والسؤال هو لماذا كنا نأخذ حصصا في الرياضة إن لم نكن سنطبقها في حياتنا أو نتخذها منهاجاً دراسياً ؟

ولماذا كانت ومازالت وزارات التربية والتعليم تنفق ملايين الدراهم على التجهيزات الرياضية إن لم يكن هناك هدف واضح من إدخال الرياضة في المدارس؟

إن للرياضة انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على المشاعر التي يحملها الطالب أثناء المرحلة الدراسية تفرز تأثيرات على همته في تحقيق أهدافه الحياتية بشكل عام، فعندما يتعود الطالب أن ينجح في لعبة ما ضمن فريق المدرسة أو الفصل فإن ذلك ينعكس إيجابياً على تقبله للعمل الجماعي .

وإصراره على تحقيق طموحاته وأهدافه ناهيك عن الراحة النفسية الناتجة عن اللياقة البدنية. وفي دراسة أجرتها سلطة المناهج والجودة في بريطانيا تبين أن طلبة المدارس ذات السجل الحافل بالأنشطة الرياضية أكثر تفوقاً في دراستهم من المدارس الأقل نشاطاً.

ففي تجربة أشرف عليها المجلس الأكاديمي في مدينة إكستر الإنجليزية قامت بعض المدارس بتوزيع رزم على الطلبة تحوي برنامجاً رياضياً أسبوعياً بالإضافة إلى توفير بعض التمارين الرياضية مجاناً ليمارسوها طوال الأسبوع وبعد مدة قامت هذه المدارس بإجراء امتحانات «SAT» للقدرة وتبين من النتائج أن الطلبة الذين مارسوا الرياضة حسب الجدول كانت نتائجهم أعلى بكثير من الطلبة الآخرين.

وبعد تكرار التجربة والتأكد من نجاحها قام المجلس الأكاديمي بتعميم ممارسة كل طالب لتمارين رياضية لمدة خمس دقائق بعد عدد معين من الحصص على جميع مدارس المدينة كما تم توزيع زجاجات ماء تكفي جميع الطلبة حتى انتهاء الدوام المدرسي، واليوم بدأت تعمم هذه التجربة على مستوى بريطانيا لزيادة اللياقة البدنية بين الطلبة في سن مبكرة وبالتالي رفع مستواهم التعليمي.

تعد ارتفاع نسب الجريمة من الأمور التي تقض مضاجع المسؤولين في بريطانيا، ففي دراسة أجرتها إحدى الجهات الحكومية تبين أن 25% من الذكور و15% من الإناث والتي تتراوح أعمارهم بين 12 و17 سنة قد ارتكبوا جريمة واحدة على الأقل في عام 2001 بالإضافة إلى أن 50% من هؤلاء ارتكبوا جرائم خطيرة أكثر من مرة.

وقد اكتشف الباحثون أن الأفراد الذين يمارسون الرياضة هم أقل ارتكاباً للجرائم لأسباب عدة، أهمها أن وقت فراغهم ضيق، وإذا سألت أحد أفراد الشرطة الذين يعملون على مكافحة الجريمة عن سبب ارتكاب المراهقين بشكل خاص للجرائم لكانت إجابته «وقت الفراغ». في حين إذا انتسب هؤلاء إلى لعبة ما أو فريق معين فإنهم يبدأون بوضع أهداف وطموحات للنجاح في تلك اللعبة.

ومساندة الفريق في منافساته، ناهيك عن أن الرياضة ترفع من مستوى الثقة بالنفس من خلال اللياقة البدنية وتحقيق الانتصارات والفوز بالبطولات الرياضية بالإضافة إلى أنها تعلم الفرد الانضباط والالتزام بالقوانين والنظم التي يؤدي الإخلال بها إلى جنوح الأفراد وارتكابهم الجرائم.

وعند الحديث عن أي مشروع تنموي فإنه لا يمكننا أن نغفل أهمية البنية التحتية، وكذلك هي حال الرياضة في إنجلترا حيث خصصت الحكومة مبالغ ضخمة ـ سنفصل فيها في مقال لاحق إن شاء الله ـ لبناء مؤسسات ومرافق رياضية جديدة في طول البلاد وعرضها، بل إنها ذهبت إلى تصميم هذه المؤسسات بحيث تمنع دخول السيارات إليها وتجبر الزوار على المشي للوصول إلى مداخلها.

كما اقترحت الحكومة أن تصمم بعض المجمعات السكنية والأسواق التجارية بطريقة تمنع دخول السيارات إليها أيضاً إلا للمعاقين أو لتحميل وتفريغ حمولة ما، كما خصصت الحكومة مبالغ مالية لإنشاء طرق خاصة للمشاة وسائقي الدراجات الهوائية في المدن لتشجيع المجتمع على مزاولة مثل هذه الأنشطة الرياضية.

وفي استبيان أجرته الحكومة أجاب 85% بدعمهم لتصميم أحيائهم بطريقة تجبرهم على ممارسة ولو نوع بسيط من التمارين الرياضية بل إنهم قالوا بأن هذه التصاميم ستساعدهم على الشعور بالارتياح.

إن التفوق الرياضي على المستوى الوطني هو إحدى الوسائل التي تولد الشعور بالفخر أو الرضا لدى أفراد المجتمع أو كما يسمونه «feel-good factor» وخصوصاً إذا كانت الدولة مشهورة بتفوقها في لعبة عالمية ما.

فعلى سبيل المثال يشعر البرازيليون بالفخر في مجال كرة القدم لكثرة فوز فريقهم بكأس العالم ناهيك عن بروز قيم مجتمعية تقدر الرياضيين المتميزين وتدفع بالشباب إلى خوض غمار المنافسات الرياضية التي تحدثنا عن فوائدها آنفا.

إضافة إلى ذلك فإن الدول المتفوقة رياضياً تكون ذات حظ أوفر في استضافة الأحداث الرياضية مما يعزز مكانتها السياحية والاقتصادية على الخارطة الدولية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية.

ومن ناحية استثمارية تقوم الحكومات وبالتعاون مع القطاع الخاص بتطوير البنية التحتية للمدن التي يمكن أن تحتضن أحداثاً رياضية كبيرة حيث أنفقت الحكومة الإسبانية 12 مليار دولار لتطوير البنية التحتية لمدينة برشلونة لاستضافة أولمبياد عام 1992 .

وقد بقيت هذه الاستثمارات إحدى نقاط قوة المدينة التي تؤهلها لاستضافة فعاليات رياضية بين الفينة والأخرى، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار الاستفادة من البنية التحتية الرياضية وعدم تكرار تجربة مدينة مانشستر التي احتضنت بطولة ألعاب دول الكومنولث عام 2002 فأنشأت مسبحاً عالميا للبطولة ولم تستفد منه بعد ذلك حتى اهترأت مقاعده التي قلّما استخدمت بعد البطولة.

ولتنظيم الأحداث الرياضية العالمية آثار اقتصادية إيجابية كبيرة فها هي الولايات المتحدة تحصد أرباحاً صافية من كأس العالم لكرة القدم عام 1994 قيمتها أربعة مليارات دولار، ولو أن جنوب أفريقيا فازت بفرصة تنظيم كأس العالم لعام 2006 لحققت أرباحاً صافياً قدرها ستة مليارات دولار ولاستطاعت أن توفر 129 ألف وظيفة.

ولكن قد تؤدي هذه الأحداث إلى ارتفاع نسبة التضخم الذي يسببه ارتفاع الطلب بشكل مفاجئ وكبير على أدوات البناء والسلع الاستهلاكية واستخدام المرافق الخدمية.

وشغل غرف الفنادق فيقوم التجار وأصحاب المحلات التجارية باستغلال الفرصة ورفع الأسعار بصورة غير مبررة لتحقيق مكاسب سريعة أثناء فترة الحدث مما يسيء إلى اقتصاد الدولة أو المدينة ويعكس صورة سيئة عنها أمام مرتادي الحدث والزوار على حد سواء.

وللحديث صلة...

yasser.hareb@gmai.com