«للرياضة قيمة... من ثلاثة وسبعين ألف مشاهد في ملعب ويمبلي يزأرون بكل ما أوتوا من قوة مشجعين الفريق الإنجليزي إلى فتاة تضرب كرة التنس ساعة بعد ساعة.
وتلهمنا الرياضة حماساً وتفانياً يلعبان دوراً كبيراً في حياة الكثيرين وسواءً كنت تشاهد أحد الرياضيين يبذل قصارى جهده للفوز في بطولة ما أو كنت تلعب لعبتك المفضلة صباح يوم الأحد لتساهم في فوز فريقك أو كنت تساعد طفلاً للفوز في إحدى المسابقات في المدرسة، فإن للرياضة قيمة... لك ولنا جميعاً».
بهذه الكلمات يقدم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لدراسة قامت بها وحدة الاستراتيجيات في مكتبه عام 2000 تولى هو شخصياً الإشراف عليها لتنمية الرياضة في إنجلترا وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية بجميع فئاتها وتعدداتها.
ولرفع قيمة الأنشطة الرياضية في حياة الأفراد. وفي عام 2002 أطلق مكتب رئيس الوزراء دراسة أكثر شمولية عن الوضع الرياضي في إنجلترا ومدى مشاركة الناس في التمارين الرياضية سواءً كانت ضمن رياضة معينة.
أو في نطاق النشاط اليومي للأفراد ـ كتنظيف المنزل مثلاً - ليكتشف البريطانيون أن الحكومة تتكبد ما قيمته مليارا جنيه استرليني في الصرف على علاج الأشخاص من الأمراض الناتجة عن ضعف اللياقة البدنية أو ما يعادل خسارة 54000 روح سنويا!
هذا من ناحية مادية، أما من ناحية صحية فقد أسفرت الدراسة عن أن نسبة السمنة قد وصلت بين النساء إلى 21% عام 1999 بعد أن كانت لا تتجاوز 8% عام 1980 وهي في ازدياد، وأخيراً خسارة إنجلترا في الفوز بتنظيم واستضافة العديد من الأحداث الرياضية العالمية كبطولة كأس العام 2006 وأولمبياد عام 2005.
لذلك كان لابد من وقفة حكومية مع هذه «الاضطرابات» الرياضية إن صح التعبير لتحليل المشهد الرياضي على الساحة الإنجليزية وإعادة ترتيب الأوراق وشحذ الهمم للمرحلة المقبلة إيماناً بالمبدأ الذي يقول: «لا بأس من أن نعود خطوة إلى الوراء لنعيد النظر إلى الأمام».
وفي الأيام المقبلة إن شاء الله سنقوم باستعراض هذه الدراسات بصورة موجزة لنختصر الزمن ونعمم الفائدة، خصوصاً مع تأسيس مجلس دبي الرياضي الذي نعلق عليه آمالاً كبيرة للنهوض بالحركة الرياضية في الإمارة، ولندغدغ حواس القائمين على الرياضة بمختلف مجالاتها في جميع الدول العربية على وجه العموم.
وسوف نبدأ باستعراض الوضع الرياضي في إنجلترا عام 2002 في جوانب مختلفة ثم نعرّج على أهمية الرياضة لأي دولة أو مدينة لنتحدث لاحقاً عن الحلول التي وضعتها الحكومة البريطانية لتنمية المشاركة الرياضية وخطة العمل التي بدأت بتطبيقها على أرض الواقع.
في البداية لابد لنا من وقفة مع تعريف الرياضة حتى يتضح القصد من الدراسة التي أصبحت خطة استراتيجية بعد ذلك، تعرّف الرياضة على أنها «جميع الأنشطة البدنية العرضية أو المنظمة التي تساعد أو تهدف إلى تطوير اللياقة البدنية وصحة الإنسان بشكل عام، وقد تشكل بذلك مشاركات اجتماعية أو مشاركات ذات طابع احترافي تهدف جميعها إلى تحقيق نتائج متقدمة».
وهو التعريف الذي اعتمده المجلس الأوروبي للرياضة عام 1993، وعندما نقول جميع الأنشطة البدنية فإننا نعني جميع الحركات اليومية التي يقوم بها الإنسان كالمشي إلى العمل كما هو الحال في الدول الأوروبية حين اعتدال الطقس.
وقد تكون الأعمال المنزلية أو حتى الأعمال التي يقوم بها الموظف في عمله، وأياً كانت هذه الأعمال فإن النتيجة النهائية لها هو تحسين اللياقة البدنية لو تم تكريسها بشكل منظم.
قبل أن أبدأ الحديث عن وضع الرياضة في إنجلترا أحب أن أنوه إلى أهمية توفر المعلومات والإحصائيات في أي بلد، الأمر الذي يساعد على التخطيط للمستقبل بشكل صحيح وهذه إحدى النقاط التي تحسب للإنجليز.
فهم حتى أيام استعمارهم للكثير من مناطق العالم كان الاهتمام بالمعلومة وتحليلها والاستفادة منها على جدول أولوياتهم مما يضفي على أبحاثهم ودراساتهم واقعية تحثنا في الدول العربية على الاستفادة منها.
إذا نظرنا إلى مشاركة أفراد المجتمع الإنجليزي وممارستهم للأنشطة الرياضية اليومية مقارنة بالدول الإسكندنافية وبعض الدول الأخرى التي تتشابه في طقسها وثقافتها مع بريطانيا نجد أن 70% من الشعب الفنلندي يمارس الرياضة لمدة ثلاث ساعات على الأقل أسبوعياً مقارنة بـ 57% من الأستراليين يمارسون الرياضة لمدة ساعتين ونصف على الأقل أسبوعياً.
وقد تتنوع هذه الممارسات من رياضات إلى أنشطة يومية أما الإنجليز فإن 32% منهم فقط يمارس الرياضة لمدة 30 دقيقة خمسة أيام في الأسبوع.
أما من ناحية الالتزام بالرياضة فإن 72% من الإنجليز يمارسون الرياضة بصورة عرضية أو «نادرة» و 10% فقط يمارسونها بشكل مستمر و 18% بصورة احترافية مقارنة بالفنلنديين الذين يمارس 27% منهم الرياضة بشكل عرضي و 34% بشكل مستمر و 39% بصورة احترافية.
وإذا مثلت هذه الأرقام على رسم بياني فإن الفارق الكبير سيكون واضحاً والنتيجة هي أن الإنجليز أقل نشاطاً من شعوب الدول الإسكندافية مما يدعو إلى ضرورة التحرك لرفع هذه النسب في القريب العاجل، ولكن الغريب في الأمر أن الذين تتجاوز أعمارهم الستين سنة في فنلندا هم أكثر ممارسة للرياضة ممن هم في أواخر العشرينات.
وما ذلك إلا نتيجة للسياسة التي اتبعتها الحكومة لتشجيع كبار السن على زيادة ممارسة التمارين الرياضية الأمر الذي سنستعرضه في مقال لاحق بإذن الله، أما في إنجلترا فإن ممارسة الذين هم فوق الستين سنة للرياضة فهي أقل بكثير من أترابهم الفنلنديين وممن هم أصغر سناً من الإنجليز الأمر الذي يزيد العبء المادي على كاهل الحكومة لحاجة كبار السن لرعاية صحية خاصة.
ومن نافلة القول أن نذكر بأن أكثر الرياضات التي يمارسها الإنجليز هي المشي و أقلها كرة القدم أما النساء فهن مغرمات بممارسة «اليوغا» بعد المشي والسباحة.
تعتبر المملكة المتحدة من الدول القليلة في العالم التي لها سجل حافل في استضافة وتنظيم الأحداث الرياضية العالمية، وما بطولة ألعاب دول الكومنولث التي نظمت في مانشستر عام 2002 إلا دليل على وجود إمكانيات حكومية جيدة في إدارة هذه الفعاليات.
حيث بلغ عدد المشاهدين للبطولة عبر قنوات التلفاز أكثر من مليار شخص كما استطاع المنظمون أن يبيعوا أكثر من 90% من تذاكر المنافسات وبلغ عدد المشاركين في تلك البطولة 5900 رياضي شاركوا بصورة رسمية.
وبذلك استطاع المنظمون أن يحققوا أهدافهم المالية. ولكن لماذا لم تنجح بريطانيا في الفوز بتنظيم ألعاب الأولمبياد عام 2005؟ ولماذا كان حظ ألمانيا أوفر في استضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2006؟
أحد هذه الأسباب الرئيسية هو ضعف الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية الرياضية وسوء تقييم المبالغ التي يجب أن تخصص لاستقطاب المنافسات العالمية، فكانت في كثير من الأوقات استثمارات محدودة لا تتناسب مع حجم الأحلام المرجو تحقيقها.
أضف إلى ذلك افتقار العديد من الجهات المسؤولة عن تنظيم الفعاليات الرياضية إلى خبرة في تقسيم المسؤوليات والمهام على فرق العمل المختصة والفجوة التي تحول بين الحكومة وبين المختصين في مجال تنظيم الفعاليات الرياضية.
ولكن الأهم من هذا وذاك هو تشعب الجهات الحكومية التي تمول القطاع الرياضي وفعالياته وهو ما سنأتي على ذكره بعد قليل.
تعتبر الحكومة أكبر ممول للمؤسسات والأنشطة الرياضية في إنجلترا ـ باستثناء بعض الأندية الاحترافية ـ حيث تبلغ نسبة التمويل الحكومي المباشر للرياضة 87% تأتي للحكومة الاتحادية من الحكومة المحلية.
والطريف في الأمر أن نصف هذه الأموال هي مخصصات الحكومات المحلية من الحكومة الاتحادية، أما الجزء الأكبر الثاني فتبلغ نسبته 11% ويأتي من مؤسسة «خفُّيَُفٌ جُُُّّمْ؟» وهي مؤسسة اليانصيب الوطنية التي تدار من قبل مجموعة «كاميلوت»..
وبإشراف دائرة الإعلام والثقافة والرياضة، وتعتبر مؤسسة اليانصيب هذه إحدى وسائل دخل للحكومة البريطانية حيث بلغ الدخل العام للمؤسسة في نوفمبر 2005 قرابة 57 مليار جنيه استرلينيني خصصت منها 18 ملياراً لدائرة الإعلام التي خصصت بدورها نسبة 2% من هذا المبلغ لدعم الرياضة، والجدير بالذكر أن هذه الأموال لا تحتسب عليها أية ضرائب.
الواضح من هذا التقسيم أن للحكومات المحلية دوراً كبيراً في تمويل الرياضة وهو ما تم إغفاله في السابق بالإضافة إلى أن هذا التشعب في تمويل الرياضة ومؤسساتها يشكل حجر عثرة أمام القائمين على تطوير الرياضة ـ أي الحكومة ـ التي يجب عليها أن تبذل جهداً في إقناع العديد من الجهات أهمها مجلس العموم والبرلمان.
كلما أرادت أن تزيد في المخصصات الرياضية أو تعدل عليها الأمر الذي أدى إلى خسارة العديد من الفرص في تنظيم فعاليات رياضية عالمية كما أدى إلى صرف مبالغ طائلة في غير محلها وضياع فرص تنموية كان يمكن أن يستفيد منها المجتمع.
ولكن بالرغم من هذه التحديات التي تواجهها الحكومة فإن مخصصات الرياضة في الميزانية قد ارتفعت في السنوات العشر الأخيرة وخصوصاً من دخل اليانصيب.
كما زادت مشاركة القطاع الخاص الممثلة في رعاية الفعاليات الرياضية والتغطيات الإعلامية المصاحبة لها وخصوصاً في كرة القدم وسباقات الفورمولا 1. أما بالنسبة لأكثر الرياضات حظاً من أموال اليانصيب فهي السباحة تليها كرة القدم وأقلهن نصيباً هي لعبة الكريكيت.
وإذا نظرنا إلى القطاعات الرياضية التي تمولها الحكومة لوجدنا أن رياضات الصالات المغلقة «يَلُُْ ََُُِّّّْ» هي أكثر الرياضات دعماً تليها المجمعات الرياضية في الأحياء السكنية، أما الصرف على تطوير الرياضة فهو الأقل حظاً من الميزانية التي تخصصها الحكومة للرياضة في جميع الرياضات بلا استثناء.
تبقى نقطة مهمة وهي المتطوعون وأثر مشاركتهم على التنمية الرياضية في بريطانيا حيث يبلغ عددهم مليوناً ونصف المليون متطوع يعملون في مختلف الأقاليم والرياضات وفي مختلف المناسبات أيضاً ليساهموا ولو بختم طوابع البريد لإنجاح فعالية ما. إن مفهوم التطوع في بريطانيا له بعد وطني قلما نجد له نظيراً في الدول الأوروبية.
وبغض النظر عن المواقف السياسية أو الأيديولوجية التي يتخذها الكثير تجاه الدول الغربية فإننا يجب أن لا نبخسهم حقهم في هذا المجال.
لقد كنت ومازلت أزور بريطانيا باستمرار لأسباب عدة منها السياحة وكنت دائما ما أتساءل عن سبب مشاركة أعداد هائلة من الصبية والفتيات في تنظيم المعارض الفنية أو المسابقات الرياضية أو حتى المناسبات الوطنية وعن الفائدة التي تجنيها الجهات المنظمة من مشاركة هؤلاء المتطوعين؟
فوجدت أن الدولة فيما لو استبدلت هؤلاء المتطوعين بموظفين تدفع لهم رواتب شهرية أو مكافآت دورية لتكبدت مئات الملايين من الجنيهات، لذلك تسعى مؤسسات الدولة المختلفة لتعزيز ثقافة التطوع كدور تنموي وطني تلتزم به تجاه الأفراد الذين يلتزمون به تجاه المجتمع.
أما بالنسبة للمتطوعين أنفسهم فإنهم يعتبرون مشاركاتهم خبرة يكتسبونها في وقت مبكر من حياتهم العملية بشكل خاص ليضيفوا إلى رصيد معرفتهم نقاطاً تساعدهم في المستقبل على إنجاز المهام الموكلة إليهم بسهولة وتمهد لهم طريق الارتقاء بأدائهم وتميزهم.
وقبل ختام الحلقة الأولى من هذه الدراسة لابد لنا من وقفتين؛ الأولى مع النوادي الصحية التي زادت الخاصة منها بين عامي 1980 و2001 ثلاثة أضعاف تقريبا لتصل إلى 1791 نادياً وزاد المنتسبون إليها بنسبة 21% بين عامي 2000 و2001 فقط ليصل عددهم إلى ثلاثة ملايين مشترك أما النوادي الصحية الحكومية .
فقد بلغ عدها 2268 نادياً ينتسب إليها أكثر من 4 ,2 مليون مشترك وإذا استمر النمو بهذه الطريقة فإن مشاركة الأفراد في هذه الأندية ستزيد بشكل مطرد في السنوات العشر المقبلة بشرط وضع برامج تشجيعية من قبل الحكومة لرفع هذه النسب.
وما هذه الزيادة إلا مؤشر على زيادة وعي الأفراد بأهمية اللياقة البدنية مما يعني اتساع المجال أمام الحكومة لرفع أعداد «اللائقين» صحياً على المدى القريب.
أما الوقفة الثانية فهي مع الأرقام والإحصائيات، فقد يسأل سائل عن سبب ذكرها وتفصيلها بهذه الطريقة، والسبب هو تقريب فكرة «التنمية الرياضية» إلى القائمين عليها في مجتمعاتنا العربية وإعطائهم لمحة عن كيفية النظر إلى المشكلات الحالية والأوضاع الرياضية المتردية.
وحجر الزاوية في هذه العملية هي المعلومة الصحيحة فكثيراً ما نقرأ أو نسمع عن الميداليات والجوائز التي حصل عليها الرياضيون العرب، وكثيراً ما نرى صفحات الجرائد مكتظة بالتهاني لفوز عداء ما من دولة عربية في بطولة عالمية.
وقليلاً ما سمعنا عن إطلاق برامج رياضية هادفة عدا تلك التي تقوم بها بعض المدارس في الإجازات الصيفية والتي لا تعدو في كثير من الأحيان كونها متواضعة وخالية من أهداف تنموية تحقق نتائج ملموسة على المدى البعيد مما يدلنا على أن المبتغى من الرياضة في الوطن العربي عموماً .
وفي الدولة بشكل خاص غير واضح، فهل نريد الفوز بالبطولات وحصد ميداليات فقط؟ أم نريد مشاركة جميع أفراد المجتمع في الأنشطة الرياضية؟ أم نريد الاثنين معاً؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لابد لنا أولاً من وقفة مع الفوائد التي يجنيها المجتمع من الرياضة ودور الحكومة في دعم التنمية الرياضية، وهو ما سنتحدث عنه في المقال المقبل إن شاء الله.
yasser.hareb@gmai.com