أنا مستهلك، هذا يعني أنني ملك. هذا ليس غرورا ولا استعلاء، ولا تنظيرا. إنها القاعدة التسويقية الأولى. المبدئية. هكذا علمني «فيليب كوتلر»، منظّر التسويق الأشهر في العالم، وهكذا قال لي «أبو يحيى» البقّال منذ أكثر من ربع قرن، وأنا طفل أجادله في محله الصغير، في زاوية الشارع. يومها ابتسم وقال: «حسنا، كما تريد، فالمستهلك ملك».

الملوك يعرفون كل شيء. هكذا تعلمنا في عالمنا العربي. لكنّ المستهلك في منطقتنا آخر من يعلم، أو آخر من يحق له أن يعلم. هو، بهذا المعنى ليس ملكا. تحمل حافظة نقودي القليل من «الفلوس»، والكثير من البطاقات. بعضها منتهي الصلاحية، لكنني لا أنتبه.

منها بطاقة التأمين الصحي، وهي الأكثر تفضيلا بالنسبة لي، كون فواتير المستشفيات في دبي تنطلق بسرعة سباقات «الفورمولا وان» وتطيح بكل من لا يحمل «البطاقة السحرية». تدفع خمسين درهما فقط، وتحصل بالمقابل على «زوّادة» من الأدوية تقدّر قيمتها بمئات الدراهم.

أحينا قد يصل الرقم إلى ألوف، في حالة «الالتهابات القصوى». لكنّ في حلقي غصة لم أستطع معالجتها أبداً. إنها أكثر من غصة، هو شك بتلك العلاقة «التجارية» بين الأطباء وشركات التأمين. الطبيب يصف لك دواء ويقول لك:» بوسعك ألا تستخدمه» (لماذا يصفه إذن؟)، وأرقام تتفوتر على شركات التأمين التي تسوّق أدوية من دون أخرى.

(راجع أي صيدلية بشأن اللائحة السوداء للأدوية التي لا تتعاطى بها شركات التأمين). في المحصلة، المريض يحمل بطاقة التأمين مبتسما، يدخل أقرب صيدلية، يدفع خمسين درهما كمبلغ ثابت لقاء تعامله ببطاقة التأمين، ليكتشف أن الطبيب وصف له دواء قيمته 23 درهما. تلك ليست طرفة، بل حادثة «شخصية».

لقد دفعت 50 درهما للتأمين، لكي أحصل على دواء ب23 درهما! الطبيب، البريء من تهمة «التواطؤ» مع التأمين لوصف أدوية مرتفعة الثمن، غير بريء من إعلامي كمستهلك بما يحق لي معرفته: دواؤك سعره أقل من استخدامك بطاقة التأمين، فلا تستخدمها. عبارة بسيطة، لم يقلها.

موظفة البنك، وبعد عشرات الاتصالات المحلية و«الدولية» التي استدرجتني إلى قاعة البنك الأنيقة أخيرا، قالت لي فرحة:» مبروك، ستحصل على القرض بفائدة خيالية». «شكرا، أقدر لكل ذلك، وكل الجهد الذي بذلته خلال الشهرين الماضيين معي». «أنت أيضا بذلت جهدا بإيفائنا بعشرات الأوراق التي طلبناها».

وبعد انتهاء وصلة المديح المتبادل ورشق الزهور، ستقول لي، بمنتهى البراءة: «هناك تعديل بسيط لم أشأ إبلاغك عنه قبلا، لاعتقادي أنه تفصيلي، لقد رفعنا نسبة الفائدة على القرض 2%، لكنني أنصحك بشدة الا تغير رأيك الآن، لأننا بصدد رفعها مجددا في الشهور المقبلة.

وقّع لو سمحت»! وقّع لو سمحت؟ هل هي العبارة التي تختصر معاملة الشركات مع المستهلك في عالمنا. لماذا، لحظة التوقيع فقط، ستتذكر عاملة البنك، وبعد أكثر من شهرين من المفاوضات الشاقة، أن البنك الأنيق قد رفع سعر الفائدة، بطريقة «غير أنيقة»؟ مرة أخرى، أين حق المستهلك بالمعرفة؟ وأين هي أخلاقية الشركة بإعلام المستهلك؟

يقول موظف مركز تحويل المال السريع أنّ هناك عرضا من الشركة لقاء تحويل ألفي دولار، وهو أن تدفع فقط 70 درهما بدل التحويل. ستفرح وتتلوّن وتتحوّل وتقرر أنك مستهلك ذكي يعرف كيف يستغل «العرض»، بالعرض والطول.

وحين يعطيك الموظف إيصال الخدمة، ستكتشف أن الدولار قيمته 8,6 وليس 5,6 كما اعتقدت. هذا يعني أنك دفعت دراهم أكثر لكي تحول الألفي دولار:» لكننا لم نتفق على هذا الأمر». يرد الموظف:» نعم، نسيت أن أقول لك، أنه حين نقوم بتقديم عروضات نرفع قيمة الدولار».

ولكن الواقع أدهى من ذلك، إذ أن حسبة بسيطة لتكاليف التحويل بسعر الدولار الذي رفعته الشركة، هدية مع «الأوفر»، يثبت أنّ المستهلك في النهاية خسران، وأنّ لا عرض هناك ولا من هم يحزنون. الأمثلة كثيرة، والمطلوب أن تتعامل الشركات بأخلاقية مع عملائها، حفاظا على الامتيازات الثلاثة: حماية القانون، الاحتفاظ بالعميل وحماية العلامة التجارية، وإلا فإن الملوك سيصبحون.. «تعساء»!

IBRAHIMT@ALBAYAN.AE