تشرفت بتمثيل دبي في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للجودة بمدينة سياتل بولاية واشنطن في الولايات المتحدة الأميركية الذي عقد بتاريخ 14/5/2005م، وكان الهدف الأبرز من المشاركة هو تسليم «وثيقة برج العرب للجودة» لرئاسة المؤتمر الذي تفضل بتوقيعه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع رئيس الشرطة والأمن العام في مارس 2004م.
وقد ضم المؤتمر حوالي خمسة آلاف مشارك من علماء الإدارة والجودة من الدول المتقدمة كافة في العالم تباحثوا حول تطوير نظرية للفكر الإداري للقرن الواحد والعشرين تستفيد منها الدول والمنظمات الباحثة عن التطوير والتحديث في أنحاء العالم كافة وخاصة ما يسمى بدول العالم الثالث، وقد طرحوا للنقاش ثلاثة نماذج رئيسية للفكر الإداري تتمثل في النموذج الأميركي والنموذج الأوروبي والنموذج الياباني لتشكل الأساس في تطوير النظرية الجديدة.
وعلى هامش المؤتمر عقد اجتماع للأكاديمية العالمية للجودة ضم عدداً من الأكاديميين المختصين في مجال الإدارة والجودة، وقد حدث أثناء المناقشات الجانبية للاجتماع ما لم أكن أحسب له حساباً، فقد تحدث عدد من علماء الإدارة والجودة بحماس شديد عن دبي كنموذج فرض نفسه بقوة ليشكل نموذجاً رابعاً جديداً يسهم في تطوير النظرية الإدارية العالمية،
وقد أشار المتحاورون إلى أن نموذج دبي قد تجاوز كل الخطوط التي تعارف عليها علماء الإدارة في العصر الحديث، حيث استغرقت كل من الولايات المتحدة الأميركية واليابان خمساً وعشرين سنة لتسجيل اسمها على خارطة الإدارة الحديثة، وتساءلوا كيف استطاعت دبي أن تحقق هذا الرقي الحضاري والتحول الفكري الهائل في المجال الإداري خلال مدة لم تتجاوز عشرة أعوام فقط؟
وقد أشار البعض إلى أن ما حدث في دبي خلال تلك المدة القصيرة هو ضرب من الخيال، وبالتالي فإن ما حدث لا يعدو أحد أمرين إما بتأثير «سحر» أو بتأثير «ساحر» أو على حد تعبيرهم (Magic Or Magician) فإذا كان الأول مستبعداً فهو إذاً تأثير «ساحر» في إشارة صريحة إلى الراعي الحقيقي لهذا التحول الفكري الكبير، سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقد سرني كثيراً ما سمعته،
إلا أن ذلك كان مثاراً لدهشتي، ليس لعدم إيماني بما قيل، وإنما لأني لم أكن حينها طرفاً في المناقشة، ولم أكن أنا الذي بادر بطرح الموضوع للحوار، بل إن بعضهم لم يكن يعلم أصلاً أن هناك ممثلاً لدبي في المؤتمر، لأني لم أكن حينئذ قد استعرضت وثيقة برج العرب أمام المؤتمرين.
وقد أسفرت مناقشات الاجتماع عن تكوين فريق بحثي متخصص لوضع نموذج دبي للفكر الإداري تحت المجهر، ودراسته بشكل علمي منهجي للإجابة عن التساؤل الكبير الذي فرض نفسه على المتحاورين عن كيفية تحقيق هذا الرقي الإداري الحضاري الذي تشهده دبي الآن خلال هذا الزمن القياسي،
وسوف يستهدف هذا الفريق أمرين رئيسيين، يتمثل الأول في توثيق ونشر هذا الفكر ليكون مثلا يحتذى به أمام دول العالم، ويركز الثاني على فهم الشخصية المحركة لهذا التحول، والتي أطلقوا عليها اسم «الساحر»، ومدى إمكانية صنع «سحرة» آخرين في أماكن مختلفة من العالم يكون باستطاعتهم بناء عالم أفضل بسرعة أكبر.
هذه هي دبي «النموذج»، وهذا هو سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «الساحر» في عيون علماء الإدارة والجودة في الدول المتقدمة في العالم. لقد حجز سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ـ إذا ـ مقعد دبي في الأوساط الإدارية الأكثر تقدما في العالم، وقلب كل المفاهيم المتعارف عليها عالمياً رأساً على عقب، وتمرد على كل القواعد التقليدية في مجال التطوير الإداري، ورأى أنها بطيئة الحركة لا تتلاءم مع عالم متغير متحرك لا يكاد يهدأ،
وحقق ما لم تستطع أن تحققه مدن عالمية شهيرة هي أكثر ثراء من دبي، وكان أول قائد يعتمد وثيقة للجودة للعمل من خلالها وهي وثيقة برج العرب الشهيرة، بما فيها من التزام عملي وأدبي، هذا ما توصل إليه الآخرون وعرفوه وأشادوا به، وهم أصحاب الباع الطويل في مجال تخصصهم، وهو بلا شك مدعاة للفخر والاعتزاز، ومحفز جديد للمزيد من البذل والعطاء والانجاز والإبداع.
لقد أثار لدي كل ذلك تساؤلاً كبيراً حول إمكانية استنساخ النجاح، بمعنى .. هل يمكن استنساخ نجاح دبي وتجربتها الإدارية الرائدة كنموذج للتطبيق لدى الأشقاء في الوطن العربي؟ .. فإذا كان الجواب «نعم» ترى ما هي المعوقات التي تحول دون ذلك؟ .. وكيف يمكن تلافيها والتغلب عليها؟ وما هي الفجوات التي يتعين ردمها بين دبي خاصة ودولة الإمارات عامة وشقيقاتها في الوطن العربي في المجال الإداري؟ ..
وللإجابة عن هذه التساؤلات لابد من النظر الى الرؤى السائدة في الوطن العربي حول التطوير، وهي لا تخرج برأينا عن ثلاثة آراء، حيث يرى أصحاب الرأي الأول أولوية إصلاح السياسة لإصلاح الإدارة والاقتصاد، وهذه الأولوية محدودة التأثير ولا تلائم سرعة العصر خاصة في ظل استشراء الفساد وغياب التطبيق الفعال للأنظمة، ويرى أصحاب الرأي الثاني أولوية إصلاح الاقتصاد لإصلاح السياسة والإدارة، وهذا رأي لم يقل بصحته أحد،
لأن علماء الاقتصاد مجمعون على أن اقتصاد الدولة أو المؤسسة أو الفرد لا يولد أو ينشأ منفرداً، ويرى أصحاب الرأي الثالث أولوية إصلاح الإدارة لإصلاح السياسة والاقتصاد، وهذا رأي نعتقد بصحته ومنطقيته، وفي هذا الصدد نقتبس كلمات سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أثناء رعايته لأحد احتفالات توزيع جوائز الإدارة العربية حيث قال «لو صلحت الإدارة العربية لصلحت السياسة وصلح الاقتصاد وصلحت كافة أمور الدولة»،
وهو بذلك قد مد يده إلى الوطن العربي مبكراً بهذا النداء بعد أن أطلق جائزة الإدارة العربية وجائزة الموظف العربي المتميز، واعتمد وثيقة برج العرب للجودة التي تمثل المبادئ العامة للتحول في الفكر الإداري لتعميم فكر الإدارة الحديثة في الوطن العربي، وإيجاد نوع من الشراكة مع الدول العربية تستهدف استنساخ النجاح في أية دولة عربية وتعميمه للدول الأخرى، إيماناً منه بنظرية النجاح للجميع (win - win). .
لكل ذلك يتعين أن نتساءل.. إذا كانت هذه هي عيون النخبة في العالم على دبي، ونظرتها الإيجابية لتجربتها، فأين هي عيون علماء الإدارة والجودة والإعلام في الوطن العربي؟.. بل أين هي هذه العيون في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص؟.. ولماذا يشيد علماء عالميون متخصصون بتجربة دبي وبفكر سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قبل أن نسمع ذلك من المختصين في الوطن العربي؟..
بل لماذا أصبحت دبي نموذجاً عالمياً قبل أن تكون نموذجاً عربياً يستفاد من تجاربها؟.. أتمنى ألا يكون ذلك راجعاً لإغفاءة يعيشها وطننا العربي، أو نتيجة للتشبث بأساليب عتيقة لفظها الزمن وعجلة التطوير منذ زمن بعيد. أعتقد بأنه قد آن الأوان بأن تسرع كل دولة أو مدينة عربية في إيجاد «ساحرها» الذي يقود بأمانة وإخلاص حركة التغيير الإداري فيها، الذي يشكل أساساً قوياً ومتيناً لمساعدتها في اللحاق بالركب الحضاري العالمي،
وإلا فإن البون سيتسع والهوة ستكبر أكثر فأكثر بين الوطن العربي والعالم، وسنكون أمام وضع إداري مترد لا يمكن تقبله، وها هي دبي تمثل النموذج الأول في الوطن العربي وتمد يدها للمختصين لاستنساخ نجاحها وتعميمه إلى كل المدن والدول العربية حتى لا تبدأ من الصفر، في وقت يبدأ العالم فيه من حيث انتهى الآخرون.
لقد وقع سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على «وثيقة برج العرب للجودة» في مارس 2004، والتي تضمنت اثني عشر مبدأ كانت ثمرة لمناقشات ومداولات نخبة من العلماء والخبراء العالميين من كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان والإمارات، في إطار ملتقى برج العرب بين الكلية الإلكترونية للجودة الشاملة والأكاديمية العالمية للجودة،
وتشكل هذه الوثيقة المبادئ العامة والقواعد الجامعة التي يتعين الالتزام بها والانطلاق من خلالها لبناء تطبيقات الجودة، فهي بمثابة الدستور الذي يلتقي حوله المشتغلون والمؤسسون لأنظمة التطوير الإداري والجودة الشاملة في كلا القطاعين العام والخاص، وتعد هذه الوثيقة هي الأولى والوحيدة في العالم العربي.
وبتوقيع سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على الوثيقة، فإن سموه بذلك قد التزم شخصياً بتطبيق تلك المبادئ وتطويرها لإيمانه اليقيني بأن للقائد دوراً استثنائياً في قيادة عمليات التحول ودعم هذا الفكر وترسيخه ورعايته حتى يصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي وأسلوباً للحياة، وهو الالتزام الذي حظي بتقدير واحترام وإعجاب ودهشة العديد من الخبراء والمختصين العالميين في هذا المجال، والنظر لسموه كأحد الرواد العالميين الذين تمكنوا من إحداث نقلة حضارية هائلة خلال مدة زمنية قصيرة لا تستوعب ـ عادة ـ ما حدث من إنجاز.
وفي ظل هذا الالتزام فإني أعتقد أن سموه قد حمّلنا مسؤولية جسيمة، لأن التزام القائد الأعلى هو التزام لكل القادة العاملين تحت إمرته، وهذا ـ بلا شك ـ شرف كبير نرجو أن نكون من أهله وعلى قدر حجمه، ولذلك فإن جميع القادة والمديرين والرؤساء والمشرفين في كل القطاعات، معنيون بهذا الالتزام ومدعوون لفهم المعاني الكبيرة له وتنفيذ مقتضاه من خلال المزيد من التطوير والممارسات الداعمة لفكر الجودة الشاملة في الأداء والإنتاج،
وعلينا كذلك أن ندرك أن الإنجازات الكبيرة التي حققتها دبي قد جعلتها محط أنظار العالم ورفعت من سقف توقعاتهم نحوها، بل إن ما يتوقعونه من دبي قد يفوق ما يتوقعونه من مدن عالمية شهيرة، وهذه مسؤولية أخرى ينبغي أن نعيها وأن نسلم بها، وأن نعمل جاهدين للاستمرار بالسير في هذا النهج بخطى واثقة يملؤها الأمل والإبداع.
وحيث إن دبي قد حققت هذه المكانة العالمية ونجحت في استثمار طاقاتها ومواردها البشرية والمالية والمعنوية، فقد ترتبت عليها مسؤولية أدبية استثنائية تحتم عليها حمل لواء التغيير الإداري في الوطن العربي باستنساخ النجاح وتعميمه على كل الدول العربية من خلال أساليب تبتكرها لتحفيز الآخرين نحو اللحاق بها، وعليها أن ترضى بقدرها كنتيجة لمكانتها الرائدة التي حققتها، خاصة وأن سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد أبدى في أكثر من مناسبة حرصه الشديد على مد يد العون والمساندة للأشقاء في الدول العربية.
ونظراً لأن الوقت لا ينتظر، والعالم يمشي بخطى متسارعة ولا ينتظر أحداً، فإني أدعو جميع المختصين في الوطن العربي إلى الاستفادة من تجربة دبي الرائدة ومن فكر سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يحظى بثقة عالية ومصداقية كبيرة لدى الساسة وصناع القرار في الوطن العربي، ولديه رغبة حقيقية في رؤية الوطن العربي وهو ينهض من سباته ويحظى بمكانته اللائقة بين الأمم، وأعتقد أن وثيقة برج العرب هي البداية الحقيقية لهذا التوجه.
* وثيقة برج العرب
ـ أولاً: تأسيس قيادة الجودة بصورة واضحة على مستويات عالية من الأمانة والسلوك الأخلاقي والسلامة والتناسق والتماسك وأسلوب الإدارة.
ـ ثانياً: قيام قيادة الجودة من خلال التركيز على خلق قيمة للعملاء وجميع المستفيدين، وخلق مناخ عمل من شأنه تحقيق الإلهام والتحفيز لسعي الإنسان نحو التحسين المستمر.
ـ ثالثاً: بناء رؤى واستراتيجيات تلائم المدى البعيد وتجعل من الجودة القائد الرئيسي للأداء المتواصل.
ـ رابعاً: تأسيس الجودة على كل المستويات والتأكيد على أنها لا تقود مشروعات الأعمال فحسب بل المؤسسات الحكومية.
ـ خامساً: استخدام الجودة كوسيلة لتحسين جودة الحياة ويشمل ذلك التعليم والتوظيف والطاقة والبيئة والصحة وحقوق الإنسان والأمن القومي وغيرها.
ـ سادساً: ضمان محافظة الجودة على مستقبل المجتمع من خلال إرساء وتنفيذ السياسات التي من شأنها أن. تحقق لهم الجودة ومزاياها.
ـ سابعاً: التأكيد على أهمية وجود حقوق مواطنة جيدة للمؤسسات من تركيز خاص على مسؤولية المجتمع ومبادئ مواصلة الجودة.
ـ ثامناً: العمل من خلال الشركات والتحالفات من أجل إيجاد سلع وخدمات ذات قيمة مضافة تقوم على علاقات الجودة ومبدأ قوة التأثير.
ـ تاسعاً: جعل الجودة أداة الفهم المشترك بين الأمم من أجل تشجيع التسامح وتكافؤ الفرص والتنوع الثقافي وتنشيط تبادل الثقافة والتراث.
ـ عاشراً: توجيه المؤسسات لتبني المنافسة القائمة على الجودة والتي يجب أن تقوم على الالتزام بالعمل.
ـ حادي عشر: قيادة الجودة من خلال تحفيز العنصر البشري والإسهامات القائمة على المعرفة وعن طريق التركيز على التعليم والإبداع من أجل خلق أسلوب تنافسي يقوم على متطلبات المجتمع القائم على المعرفة.
ـ ثاني عشر: بناء مستقبل تكوين الثروات والرخاء والأمن والأمان من خلال نقل تدريس الجودة من جيل إلى جيل عن طريق أسلوب التحول الفكري الشامل.
ـ مدير عام الكلية الإلكترونية للجودة الشاملة