الإمارات وجهة الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي منخفض الانبعاثات

آمال الشاذلي
آمال الشاذلي
إريك
إريك
خليفه الشحي
خليفه الشحي
مارتن تومبس
مارتن تومبس

تدخل دولة الإمارات سباقاً عالمياً جديداً لتصبح أحد أبرز مراكز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي منخفضة الانبعاثات، مستفيدة من استثماراتها الضخمة في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، في وقت تتحول القدرة على توفير الكهرباء بكفاءة وتكلفة تنافسية إلى عامل حاسم في جذب استثمارات مراكز البيانات العالمية. لتبرز الإمارات بوصفها وجهة واعدة لهذه الاستثمارات، مدعومة بمشروع مجمع الذكاء الاصطناعي بقدرة 5 جيجاواط، وارتفاع حصة الطاقة النظيفة إلى 32.4 % من إجمالي إنتاج الكهرباء خلال العام الماضي 2025، مع استهداف الوصول إلى 35 % بحلول عام 2031.

وحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالمياً بنسبة 17 % خلال العام الماضي، بينما سجلت مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي نمواً بنسبة 50 %. وتتوقع الوكالة تضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات تقريباً من 485 تيراواط/ساعة في عام 2025 إلى 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، بالتزامن مع توقعات بارتفاع الانبعاثات الكربونية المرتبطة بهذه المراكز إلى نحو 350 مليون طن بحلول عام 2035؛ ما يضع كفاءة الطاقة والتحول نحو المصادر النظيفة في صدارة الأولويات.. «البيان» استطلعت آراء عدد من الخبراء في هذا القطاع.

إريك وان: مراكز البيانات في الإمارات قادرة على تجاوز ثلث احتياجاتها من الطاقة النظيفة

يقول إريك وان - نائب رئيس الأعمال الدولية في «علي بابا كلاود»، والمدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وآسيا الوسطى في «علي بابا كلاود إنتليجنس»: تمتلك الإمارات مقومات واعدة لترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي منخفضة الانبعاثات؛ بفضل ما تتمتع به من موارد وفيرة للطاقة الشمسية، وقدرات متقدمة في إنتاج الطاقة النووية الخالية من الانبعاثات الكربونية، وبنية تحتية قوية للاتصالات، إلى جانب بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. إلا أن الفرصة الحقيقية تكمن في جعل خفض الانبعاثات مبدأً أساسياً في تصميم مراكز البيانات منذ البداية، بدلاً من الاكتفاء بتعويض الانبعاثات الناتجة عن تشغيلها. ويتطلب تحقيق ذلك تطوير منظومة متكاملة تجمع بين كفاءة الحوسبة، وتقنيات التبريد المتقدمة، والجدولة الذكية لأعباء العمل، وشبكات الكهرباء المعتمدة بصورة متزايدة على مصادر الطاقة النظيفة. وقد بلغت حصة الطاقة النظيفة من إجمالي إنتاج الكهرباء في الإمارات 32.4 % خلال العام الماضي، بينما رفعت الدولة مستهدفها لهذه الحصة إلى 35 % بحلول عامي 2030 و2031. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار نسبة تقارب الثلث معياراً واقعياً لحصة الطاقة النظيفة على مستوى منظومة الكهرباء خلال السنوات القليلة المقبلة، مع إمكانية تحقيق نسب أعلى في مراكز البيانات الرائدة، وفقاً للأطر التنظيمية المعمول بها ومدى توافر إمدادات الطاقة النظيفة.

ويضيف وان: كما يمكن أن تصبح مراكز البيانات جهات مشاركة مرنة في الشبكة الكهربائية، بدلاً من أن تكون مجرد أحمال جديدة ضخمة؛ حيث تحسّن السحابة والذكاء الاصطناعي توقعات الطلب، وتحول عمليات الحوسبة المناسبة إلى الفترات التي تشهد ضغطاً أقل على الشبكة أو إنتاجاً أعلى من مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى تحسين أنظمة التبريد والنسخ الاحتياطية. ونحن ندعم هذه المنظومة من خلال مركزي بيانات في دبي واستثمار أوسع نطاقاً بقيمة 53 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات في مجال الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية على الصعيد العالمي. وتتمثل الأولوية في الجمع بين القدرات المحلية والمرونة وموقع تخزين البيانات بموازاة تحقيق مكاسب قابلة للقياس في كفاءة استخدام الطاقة والمياه.

آمال الشاذلي: كفاءة استهلاك الكهرباء تحدد مستقبل مراكز البيانات المستدام

أما آمال الشاذلي - رئيسة «شنايدر إلكتريك» لمنطقة الخليج – فترى أن الإعلان عن مشروع مجمع الذكاء الاصطناعي بالإمارات بسعة 5 جيجاواط يعكس حجم طموحات الدولة إلى أن تكون مركزاً عالمياً رائداً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي منخفضة الانبعاثات الكربونية، غير أن التميز الحقيقي في مجال مراكز البيانات لن يُقاس بحجم القدرات المتاحة وحدها، بل بمدى كفاءة تصميم هذه البنية التحتية منذ المراحل الأولى، وقدرتها على التكامل الذكي مع منظومة الطاقة. وترى الشاذلي أنه من المبكر تحديد نسبة الكهرباء النظيفة التي يمكن أن تعتمد عليها هذه المراكز خلال السنوات المقبلة بشكلٍ دقيق؛ إذ يرتبط ذلك بعوامل عدة، من بينها تصميم المشاريع، وتطوير الشبكات الكهربائية، وآليات شراء الطاقة، وسرعة التوسع في قدرات توليد الطاقة النظيفة وتخزينها. مضيفة أن الطاقة النووية والشمسية ركيزة قوية لإمدادات الكهرباء منخفضة الكربون، بينما تسهم تقنيات تخزين الطاقة والشبكات الكهربائية المصغرة وحلول إدارة الطاقة الرقمية في تحقيق التوازن بين احتياجات مراكز البيانات المستمرة على مدار الساعة ومزيج طاقة أكثر تنوعاً ومرونة.

وقالت: نحن نؤمن بأن رفع كفاءة استهلاك الطاقة يجب أن يكون نقطة الانطلاق، فكل وحدة كهرباء ننجح في توفيرها تعني تقليص الحاجة إلى استثمارات إضافية في قدرات التوليد والشبكات وأنظمة الطاقة الاحتياطية. لذلك نعمل على تطوير مراكز البيانات باعتبارها منظومات متكاملة ومترابطة، تجمع بين توزيع الطاقة الكهربائية والتبريد والتحكم الآلي والبرمجيات، مع الاستفادة من البيانات والتحليلات الذكية في الوقت الفعلي لتحسين الأداء وتعزيز المرونة التشغيلية. كما يجب أن تؤدي مراكز بيانات المستقبل دوراً فاعلاً وذكياً ضمن منظومة الطاقة، بما يتيح لها استيعاب حصة أكبر من الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، من دون التأثير في موثوقية العمليات أو استمرارية التشغيل.

خليفة الشحي: خفض استهلاك الطاقة يبدأ من تقليص حجم البيانات والعمليات الحوسبية

من جانبه يرى خليفة الشحي - الرئيس التنفيذي لشركة Neurovia AI. أن الاستدامة الحقيقية لا تقتصر على مصدر الطاقة، بل تبدأ من كفاءة استهلاكها. وحلولنا البرمجية المبتكرة تدعم هذا التوجه بشكل مباشر؛ فعندما ننجح في تقليص حجم البيانات المرئية والعمليات الحوسبية المطلوبة لمعالجتها فإننا نسهم بشكل غير مباشر في خفض الطلب على الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل هذه المراكز؛ ما يسرّع من تحقيق مستهدفات الدولة البيئية. ويضيف: تمتلك الإمارات كل المقومات الاستراتيجية والبنية التحتية المتطورة التي تؤهلها لتصبح مركزاً عالمياً رائداً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي منخفضة الانبعاثات، مدعومة برؤيتها الطموحة للاستدامة والحياد المناخي.

مارتن تومبس: الإدارة الذكية للبيانات تقلص استهلاك الطاقة في مراكز الذكاء الاصطناعي

أما مارتن تومبس - الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا الميدانية لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «كليك» – فيرى أن طموح الإمارات إلى أن تصبح مركزاً عالمياً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي منخفضة الانبعاثات لا يرتبط بتوافر مصادر الطاقة النظيفة وحدها، بل يتطلب تكامل ثلاثة عناصر أساسية، تتمثل في توفير إمدادات موثوق بها من الطاقة النظيفة على نطاق واسع، وتصميم مراكز بيانات تتمتع بمستويات عالية من الكفاءة، وتبني بنى متطورة لإدارة البيانات تقلل من عمليات الحوسبة ونقل المعلومات غير الضرورية.

وأضاف تومبس: ويُعد العنصر الثالث من الجوانب التي لا تحظى غالباً بالاهتمام الكافي، رغم أهميته المتزايدة؛ فمع ارتفاع أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لم يعد التوسع في أعداد الخوادم والسعات التخزينية كافياً لتلبية الاحتياجات المتنامية، بل يتعين على المؤسسات ضمان قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الوصول بكفاءة إلى بيانات موثوق بها تخضع لأطر حوكمة فعالة؛ فعندما يتكرر نسخ البيانات من دون مبرر، أو تنتقل باستمرار بين المنصات المختلفة، يرتفع استهلاك موارد الحوسبة والطاقة إلى مستويات تتجاوز الاحتياجات الفعلية.

ومن هذا المنطلق – يؤكد تومبس - تقوم بيئات الذكاء الاصطناعي الأكثر استدامة على أسس راسخة لإدارة البيانات الموثوق بها، وكفاءة نقلها، وتطبيق أطر حوكمة فعالة. ومن خلال التكامل بين مصادر الطاقة النظيفة والإدارة الذكية للبيانات، تستطيع الإمارات تعزيز موقعها وجهة عالمية لاستضافة البنية التحتية للجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع تطلعاتها طويلة الأمد في مجال الاستدامة.