تساؤلات شائكة حول الاهتمام بظاهرة التغير المناخي

تغير مناخي
تغير مناخي

بيليتا كلارك

إذا كنت رجلاً يهتم بقضية التغير المناخي، فهل ينتقص ذلك من رجولتك؟ بصيغة أخرى: إذا وصف رجل الاحتباس الحراري بأنه «ترهات»، فهل يظهر بمظهر أكثر رجولة؟ على مدار 15 عاماً من كتاباتي حول التغير المناخي، لم تطرأ هذه التساؤلات على ذهني من قبل. غير أنني بدأت في إعادة النظر فيها، عقب اطلاعي على بحث يرجح أن عدداً كبيراً من الرجال يتجاهلون مشكلة المناخ، خشية أن يبدوا أكثر أنوثة.

وأسهم التحليل الذي أعده مايكل هاسلهون الأستاذ المشارك في علم الإدارة بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، في تقديم إجابات عن أحد أكثر أسئلة المناخ إثارة للحيرة، لماذا تظهر الدراسات واستطلاعات الرأي حول العالم، وبشكل متواصل، أن اهتمام الرجال بالاحتباس الحراري يقل عن اهتمام النساء؟.

رجحت بعض الدراسات أن الرجال يرون أنهم المتضرر الأكبر من سياسات مكافحة التغير المناخي. بينما أرجعت دراسات أخرى الأمر إلى التنشئة الاجتماعية للنساء، التي تدفعهن للالتفات أكثر إلى قضايا البيئة، غير أن الباحثين في هذا المجال انصب تركيزهم عادة على دراسة تأثير هذه التنشئة في المرأة وحدها».

ويرى هاسلهون أن أنماط التكيف والتنشئة نفسها قد تحدث أثراً، ولكن يتم إغفال دراسة هذا الأثر في الرجال. لذا، أجرى سلسلة دراسات مترابطة، ترجح أن هذا هو ما يحدث بالفعل.

وبالاستناد إلى بيانات من الولايات المتحدة، واستطلاع رأي تم على فترة طويلة، وشمل أكثر من 40 ألف شخص عبر أوروبا، أوضح هاسلهون أن الرجال الذين يعلنون رغبتهم في إنقاذ كوكب الأرض، ينظر إليهم باعتبارهم أكثر دفئاً واهتماماً بالآخرين. واتساقاً مع هذه النتيجة، أظهر الاستطلاع أيضاً أن الرجال الذين يحرصون بشدة على حماية شعورهم بالرجولة، يعربون عن قلق أقل تجاه مشكلة المناخ، ويعبرون بدرجة أقل عن المسؤولية عن معالجتها.

ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن كل الرجال المشككين في قضايا المناخ يساورهم القلق بشأن رجولتهم، إذ تلعب وجهات النظر الأخرى دوراً بارزاً أيضاً. حيث أظهرت دراسة شملت أكثر من 9 آلاف عالم في 115 دولة، نشرت هذا الأسبوع، أن العلماء الذين يعتقدون أن التكنولوجيا ستتكفل بحل مشكلة المناخ بدرجة كبيرة، يقل احتمال مشاركتهم في مسيرات المناخ، أو توقيع العرائض، أو ممارسة أنشطة مدنية مماثلة بنسبة 23 %، مقارنة بالعلماء الذين يفتقرون إلى هذه القناعة بالتكنولوجيا. كما يقل احتمال إجراء هؤلاء «المتفائلين بالتكنولوجيا» لتغييرات جذرية في نمط حياتهم، لخفض الكربون بنسبة 18 %. بعبارة أخرى، فإن القناعات الشخصية تؤثر شكلاً ومضموناً، حتى لدى الخبراء.

غير أن عمل هاسلهون يطرح تساؤلاً حول السبيل الأمثل للترويج لضرورة العمل المناخي، خاصة بالنسبة للرجال. وهو يحاول حالياً تحديد الخطاب الأكثر تأثيراً فيهم، وإن كانت النتائج التي تم التوصل إليها متباينة حتى الآن. وقال هاسلهون لي إنه يعتقد في البداية أن التنويه بأن «الرجال الحقيقيين يرعون أسرهم، ويجسدون القدوة كآباء صالحين»، قد يكون مؤثراً، إلا أن هذا الطرح «لم يحدث أي فارق يذكر على الإطلاق».

لكن الخطاب الأكثر نجاحاً أكبر مع الرجال، كان الذي أبرز العوائد المالية للعمل المناخي. على سبيل المثال، حين يخير الرجال بين رأس «دش» عادي وآخر موفر للطاقة، يختار نحو 80 % منهم الخيار الأكثر ملاءمة للبيئة، إذا وصف بأنه أداة لتوفير المال. أما إذا قيل لهم إن رأس الدش نفسه يستهلك ماء أقل وأكثر ملاءمة للبيئة، فإن نسبة التأييد تتراجع بمقدار 10 نقاط مئوية. ويشير هاسلهون إلى أن حذف كلمة «البيئة»، يبدو أنه يسهم في تحقيق نتائج أفضل.

ويتطابق كل هذا مع آراء علماء المناخ من أمثال كاثرين هايهو، الأستاذة بجامعة تكساس التقنية، التي عملت باستفاضة على أساليب الحوار الفعالة بشأن التغير المناخي. وعلى تقديم نصائح تتعلق بالتعامل مع «العم التقليدي» الذي يصر في كل تجمع عائلي على تكرار أن المناخ يمر بتغيرات مستمرة دوماً، وأن درجات الحرارة القياسية المسجلة اليوم، ليست سوى جزء من دورة طبيعية.

وأوضحت هايهو، خلال مؤتمر مؤخراً، أن سرد الحقائق العلمية لإثبات خطأ رأيه لا يجدي نفعاً. والسبب في ذلك يعود إلى أن القضية الفعلية هنا لا تكمن في إنكار العلم، بل في «النفور من الحلول»، أو القلق من تعارض السياسات المناخية مع الهوية الفردية، أو الأيديولوجيا، أو التصورات الخاصة بشكليات العالم الأفضل.

ونظراً لصعوبة الإفصاح صراحة عن عدم الرغبة في حل مشكلة جسيمة، يلجأ الأفراد إلى ما يُعرف بـ «التفكير الموجه»، لإيجاد مبررات تدعم عدم واقعية التغير المناخي أو خطورته. وبعبارة أخرى، هم يعالجون المعلومات بأساليب تتوافق مع معتقداتهم أو رغباتهم المسبقة، بدلاً من الاستناد إلى الأدلة الموضوعية.

وتضيف هايهو، بنبرة تفاعلية، أن رؤية العم ذاته قد تتغير كلياً إذا قام بشراء ألواح شمسية توفر له المال، أو أقدم على خطوة تحسن ظروفه الخاصة، وتخدم المناخ في الوقت نفسه.

وثمة رسالة واضحة هنا لأولئك الذين يساورهم قلق مشروع بشأن ارتفاع درجات الحرارة: إن الحقائق العلمية تحظى بأهمية بالغة، وكذا سلامة البيئة، بيد أنه ستكون هناك أوقات يكون فيها أفضل ما يمكنك فعله لصالح الكوكب، هو عدم الحديث عنه مطلقاً.