عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات عند أعلى مستوى منذ 2002


ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية مجدداً إلى مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، الأربعاء، مع تصاعد الضغوط على سوق الديون بسبب مخاوف التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد احتياجات الاقتراض الحكومي، بالتزامن مع ترقب المستثمرين مزاداً لسندات لأجل 10 سنوات بقيمة 39 مليار دولار ومحضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر.
وصعد عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 5.35%، وهو أعلى مستوى خلال التداولات منذ أبريل 2002، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى نحو 5.345%. كما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.72%، مقترباً من أعلى مستوياته منذ 2002، بينما زاد عائد السندات لأجل عامين إلى نحو 4.82%.
ويعكس صعود العوائد تزايد علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، في ظل ارتفاع احتياجات الحكومة الأمريكية إلى التمويل، واستمرار القلق بشأن التضخم، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط الذي يعيد الضغط على توقعات الأسعار. وقد صعدت عوائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 60 نقطة أساس منذ نهاية يوليو، فيما ارتفعت أسعار النفط الخام الأمريكي بنحو 20% خلال الفترة نفسها.
كما يتعرض سوق السندات لضغوط من زيادة الطلب على رأس المال من القطاع الخاص، ولا سيما شركات التكنولوجيا الكبرى التي كثفت الاقتراض لتمويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وتشير تحليلات السوق إلى أن زيادة المعروض من الديون الحكومية والشركاتية، مقابل تراجع شهية بعض كبار المشترين التقليديين، تدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى لتعويض مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.
مزاد بـ39 مليار دولار يختبر شهية المستثمرين
وتتجه وزارة الخزانة الأمريكية إلى طرح 39 مليار دولار من السندات لأجل 10 سنوات في مزاد الأربعاء، في اختبار مهم لمدى استعداد المستثمرين لامتصاص الإصدارات عند مستويات العائد الحالية، أو مطالبتهم بعائد أعلى لتعويض مخاطر التضخم والدين وطول أجل الاستحقاق. ويأتي المزاد بعد بيع 58 مليار دولار من سندات الثلاث سنوات الثلاثاء، فيما من المقرر طرح 22 مليار دولار من السندات لأجل 30 عاماً الخميس.
وكان مزاد الثلاث سنوات قد أظهر مؤشرات أفضل نسبياً إلى الطلب، ما عزز الآمال بإمكانية استيعاب الإصدار الجديد، لكن المستثمرين يركزون بصورة أكبر على السندات طويلة الأجل التي أصبحت أكثر حساسية للمخاوف المتعلقة بالمالية العامة والتضخم.
الفيدرالي والطاقة في قلب المشهد
تزامن ارتفاع العوائد مع ترقب صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، الذي قد يوفر إشارات بشأن مستوى الانقسام داخل البنك المركزي ومسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. ورغم انخفاض توقعات رفع الفائدة في أكتوبر، لا تزال الأسواق تضع في الحسبان احتمال تشدد نقدي لاحقاً مع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة.
وتضيف أسعار النفط بعداً تضخمياً جديداً إلى سوق السندات؛ إذ دفعت التوترات الجيوسياسية خام برنت إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما يزيد المخاوف من بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول، ويحد من قدرة «الفيدرالي» على التحول سريعاً إلى سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
هل يتجه العائد نحو 6%؟
ويحذر بعض المحللين من أن الضغوط على الطرف الطويل من منحنى العائد قد تستمر، مع احتمال وصول عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و30 عاماً إلى 6% في حال استمرت حاجة الحكومة إلى التمويل، وارتفعت علاوة الأجل التي يطلبها المستثمرون. وترى «دانسكي بنك» أن ضغوط العرض، إلى جانب اقتراض شركات التكنولوجيا لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، قد تبقي العوائد مرتفعة.
وفي المقابل، لا تزال توقعات بعض الاستراتيجيين تشير إلى إمكانية تراجع العائد لاحقاً إذا تباطأ التضخم وتراجعت أسعار الفائدة المتوقعة، إلا أن الارتفاع المتواصل للعوائد خلال الأشهر الأخيرة بدأ يدفع الأسواق إلى إعادة النظر في فرضية العودة السريعة إلى عصر الفائدة المنخفضة.
ويمثل صعود العوائد الأمريكية إلى هذه المستويات تطوراً مهماً ليس لسوق السندات وحدها، إذ يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأسر، ويزيد معدل الخصم المستخدم في تقييم الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والنمو، كما ينعكس على أسواق العملات والاقتصادات الناشئة عبر تشديد الظروف المالية العالمية.