ابن خلدون.. الاقتصادي الذي سبق آدم سميث بأربعة قرون

ابن خلدون وآدم سميث
ابن خلدون وآدم سميث

قبل نحو أربعة قرون من ظهور كتاب «ثروة الأمم»، للبريطاني الاسكتلندي الشهير، آدم سميث، وقبل أن يتحول الاقتصاد إلى علم مستقل له مدارسه ونظرياته ومصطلحاته، كان مفكر عربي يجلس في شمال أفريقيا محاولاً الإجابة عن أسئلة لا تزال تشغل الحكومات والاقتصاديين حتى اليوم: لماذا تزدهر الدول ثم تتراجع؟ لماذا تؤدي الضرائب المرتفعة أحياناً إلى انخفاض إيرادات الدولة؟ من أين تأتي الثروة؟ وكيف يؤدي تقسيم العمل إلى زيادة الإنتاج؟ ولماذا تنمو المدن والأسواق عندما يتوسع العمران؟

كان ذلك المفكر هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، الذي ولد في تونس عام 1332، وترك للعالم كتاباً تحول مع مرور القرون، من مقدمة، إلى عمل تاريخي ضخم، إلى واحد من أكثر النصوص إثارة للجدل والإعجاب في تاريخ الفكر الاجتماعي والاقتصادي وهو: «المقدمة».

لم يكن ابن خلدون اقتصادياً بالمفهوم المعاصر، ولم تكن هناك في القرن الرابع عشر بنوك مركزية أو مؤشرات للناتج المحلي الإجمالي أو بورصات بالمعنى الحديث، لكنه نظر إلى المجتمع والدولة والأسواق بعين الباحث الذي يبحث عن القوانين الكامنة خلف حركة التاريخ، بدلاً من الاكتفاء بسرد الأحداث.

العمل في قلب الثروة

عندما كان كثير من العالم ينظر إلى الذهب والفضة والأرض باعتبارها المصدر الأساسي للثراء، وضع ابن خلدون «العمل» في قلب العملية الاقتصادية، حيث رأى أن الإنسان لا يستطيع بمفرده توفير جميع احتياجاته، وأن التعاون بين البشر وتقسيم الأعمال يسمحان بإنتاج كميات تفوق احتياجات الأفراد المباشرة. ومن هذا الفائض تبدأ التجارة، وتتوسع الأسواق، وتنمو المدن، وتتراكم الثروات.

لقد كانت الفكرة لافتة بالنسبة إلى عصرها: الثروة لا تهبط من السماء، ولا تنشأ فقط من امتلاك المعادن النفيسة، بل ترتبط بالنشاط البشري والإنتاج والتخصص.

وبعد نحو أربعة قرون، نشر آدم سميث كتابه الشهير «ثروة الأمم» عام 1776، وجعل تقسيم العمل أحد المفاتيح الرئيسية لفهم زيادة الإنتاجية. وضرب مثاله الشهير بمصنع الدبابيس، حيث يؤدي تقسيم عملية الإنتاج بين عدد من العمال إلى مضاعفة الإنتاج بصورة هائلة.
لكن ابن خلدون كان قد أدرك قبل ذلك بقرون أن اجتماع البشر وتخصصهم في الأعمال يرفع القدرة الإنتاجية ويخلق فائضاً يمكن مبادلته في الأسواق. ولم يكن ذلك «اقتصاداً حديثاً» مكتمل الأركان، لكنه كان بذرة مذهلة لفكرة ستصبح لاحقاً إحدى ركائز الاقتصاد.

الضرائب.. المفارقة التي سبقت عصرها

وربما كانت رؤية ابن خلدون للضرائب أكثر أفكاره الاقتصادية إثارة. فقد راقب الرجل دورة الدول من الصعود إلى الثراء ثم الضعف، ولاحظ مفارقة بدت غريبة: عندما تكون الدولة في بداياتها تكون الضرائب محدودة نسبياً، لكن النشاط الاقتصادي يكون قوياً، فتجني الخزانة إيرادات جيدة. ومع توسع الدولة وزيادة إنفاق الحكام، ترتفع الضرائب والرسوم بحثاً عن مزيد من الأموال.. وهنا تبدأ المشكلة.

فكلما زادت الأعباء، تقل الحوافز أمام الناس للعمل والإنتاج والتجارة، فيضعف النشاط الاقتصادي وتتراجع القاعدة التي تحصل الدولة منها على الضرائب. وقد تجد السلطة نفسها ترفع الضرائب مرة أخرى لتعويض النقص، فتدخل في دائرة يمكن أن تزيد الأزمة بدلاً من حلها.

وبعد قرون طويلة، أصبحت العلاقة بين معدلات الضرائب والإيرادات موضوعاً رئيسياً في الاقتصاد الحديث، واشتهر في القرن العشرين ما يعرف بـ«منحنى لافر»، الذي يقوم في أبسط صوره على أن زيادة معدل الضريبة لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات بلا حدود.

ولم يرسم ابن خلدون منحنى رياضياً، ولم يقدم نموذجاً قياسياً، لكن الملاحظة الجوهرية كانت حاضرة في «المقدمة» قبل ذلك بمئات السنين.

المدن محركات للثروة

نظر ابن خلدون كذلك إلى المدن باعتبارها أكثر من مجرد تجمعات سكانية. فكلما اتسع العمران، ازداد التخصص وتنوعت المهن وارتفع الطلب واتسعت الأسواق. ومع ارتفاع الدخول تظهر صناعات وخدمات جديدة تتجاوز الضروريات إلى الكماليات، فتزداد حركة الاقتصاد تعقيداً. وبلغة اليوم، يمكن قراءة بعض هذه الأفكار في إطار العلاقة بين التحضر والإنتاجية واتساع السوق.

ما الفرق بين ابن خلدون وآدم سميث؟

آدم سميث لم يكن مجرد صاحب فكرة تقسيم العمل، كما أن ابن خلدون لم يؤسس علم الاقتصاد الحديث بصورته المعروفة اليوم. فقد جاء الرجلان في عصرين مختلفين، وعملا داخل بيئتين فكريتين واقتصاديتين مختلفتين جذرياً.

سميث كان جزءاً من عصر التنوير الأوروبي ومن مرحلة بدأت فيها الأسواق والتجارة الدولية والرأسمالية الحديثة تأخذ أشكالاً جديدة، بينما عاش ابن خلدون وسط دول وسلالات تتصارع في شمال أفريقيا والأندلس في القرن الرابع عشر.

ومع ذلك، فإن المقارنة تصبح مثيرة عندما ننظر إلى الأسئلة التي طرحها ابن خلدون. العمل والإنتاج، تقسيم العمل، الأسعار، الأسواق، الضرائب، الإنفاق الحكومي، الملكية، الحوافز، السكان، العمران، ازدهار الدول وانهيارها؛ كلها قضايا ستصبح لاحقاً في صميم الاقتصاد السياسي.

اقتصادي وُلد قبل ولادة الاقتصاد

وتكمن عبقرية ابن خلدون ربما في أنه لم يكن ينظر إلى الاقتصاد باعتباره مجموعة من الأرقام، بل باعتباره حركة بشرية. فالناس يعملون عندما تكون لديهم حوافز، ويتاجرون عندما توجد أسواق، ويستثمرون عندما يشعرون بالأمان، والدولة تزدهر عندما تكون قاعدتها الاقتصادية قوية، لكنها قد تبدأ في إضعاف نفسها عندما يتحول الإنفاق المتزايد إلى ضرائب مرهقة وتدخلات تقيد النشاط.

وبعد أكثر من ستة قرون على وفاة ابن خلدون في القاهرة عام 1406، تبدو بعض الأسئلة التي طرحها مألوفة بصورة مدهشة. كم ينبغي أن تفرض الحكومات من الضرائب؟ متى يصبح تدخل الدولة عبئاً على القطاع الخاص؟ كيف تزيد المدن الإنتاجية؟ ما العلاقة بين حماية الملكية والاستثمار؟ وكيف يمكن للدولة أن تحافظ على ازدهارها من دون أن تتحول تكاليف قوتها إلى سبب في ضعفها؟

لقد تغيرت المصطلحات، وأصبحت النماذج الرياضية أكثر تعقيداً، وتحولت الاقتصادات إلى شبكات عالمية تتحرك فيها تريليونات الدولارات خلال ثوانٍ، لكن الأسئلة الكبرى بقيت.

ولهذا، عندما يعود الاقتصاديون والمؤرخون إلى «المقدمة» لابن خلدون، فإنهم لا يقرأون فقط شهادة عن عالم القرن الرابع عشر، بل يواجهون مفكراً حاول اكتشاف القواعد التي تحرك الثروة والدولة والمجتمع.

وقبل أن يكتب آدم سميث «ثروة الأمم» بنحو أربعة قرون، كان ابن خلدون قد وصل بالفعل إلى حقيقة اقتصادية بسيطة وعميقة في آن واحد: قوة الدولة لا تبدأ من خزائنها، بل من قدرة الناس على العمل والإنتاج والتجارة وصناعة الثروة. وربما لهذا السبب بقي ابن خلدون حاضراً بعد أكثر من 600 عام؛ ليس باعتباره مؤرخاً أخبرنا بما حدث فقط، بل مفكراً حاول أن يخبرنا لماذا حدث، ولماذا يمكن أن يحدث من جديد.