في واحدة من أكبر عمليات التدخل المنسق في أسواق الطاقة، فتحت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية خزائنها الاستراتيجية، لتضخ حتى الآن نحو 325 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية في الأسواق، في محاولة لكبح أزمة إمدادات تحولت سريعاً من نقص في الخام إلى اختناق أكثر خطورة في الديزل، الوقود الذي يحرك الشاحنات والمصانع والآلات والاقتصاد العالمي.
وقالت وكالة الطاقة الدولية إن الكمية المفرج عنها تمثل أكثر من 80% من إجمالي 400 مليون برميل تعهدت دولها الـ32 بإتاحتها للأسواق ضمن التحرك الجماعي الذي أُعلن في 11 مارس الماضي، وهو أكبر إفراج منسق عن مخزونات الطوارئ في تاريخ الوكالة. وأكد مديرها التنفيذي، فاتح بيرول، أن هذه الكميات لعبت دوراً مهماً في سد فجوة الإمدادات وطمأنة الأسواق خلال فترة استثنائية من الاضطرابات.
لكن الأزمة تغيرت ملامحها. فبعدما بدأت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط في التعافي، بقيت تدفقات المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، تحت ضغط شديد. وزادت الضربات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية من ضيق السوق، في وقت كانت فيه اضطرابات الشرق الأوسط قد قلصت بالفعل تدفقات الوقود عبر طرق الإمداد الرئيسية.
وهنا دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوة على خط الأزمة، ضاغطة على الحلفاء الأوروبيين للإفراج عن جزء من احتياطياتهم الطارئة من الديزل. وتركزت الضغوط بصورة خاصة على ألمانيا وفرنسا، اللتين تمتلكان جزءاً كبيراً من مخزونات الديزل والغاز أويل الطارئة في الاتحاد الأوروبي، وسط مخاوف أمريكية من استمرار صعود أسعار الوقود.
وبعد أيام من الضغوط والمشاورات، تحركت مجموعة السبع بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، واتفق أعضاؤها على ضخ 100 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية خلال أربعة أشهر، مع تقديم كميات كبيرة من الديزل إلى الأسواق خلال الأيام العشرين الأولى من التنفيذ. كما اتفقت دول المجموعة على عدم فرض قيود على صادرات الطاقة فيما بينها، ما أبعد في الوقت الراهن احتمال فرض واشنطن قيوداً على صادرات الديزل الأمريكية.
وقد ترك التحرك بصمته سريعاً على الأسواق، وقال بيرول إن أسعار النفط بدأت بالتراجع عقب قرار مجموعة السبع، مشيراً إلى انخفاض بنحو خمسة دولارات بعد الإعلان، في إشارة إلى أن مجرد فتح خزائن الطوارئ يمكن أن يغير توقعات المتعاملين قبل وصول كل البراميل فعلياً إلى السوق.
غير أن المعركة الحقيقية تدور هذه المرة حول برميل الديزل وليس برميل الخام فقط. فالنفط الموجود في المخزونات لا يتحول تلقائياً إلى وقود للشاحنات والطائرات والمصانع؛ إذ يحتاج إلى طاقة تكريرية وشبكات نقل وموانئ تعمل بكفاءة. ولهذا طالبت مجموعة السبع أيضاً بزيادة تشغيل المصافي وتنسيق برامج الصيانة ورفع إنتاج المنتجات المكررة حيثما أمكن. وهكذا تحولت الاحتياطيات الاستراتيجية، التي صُممت أساساً لتكون خط الدفاع الأخير أمام الصدمات الكبرى، إلى لاعب مباشر في معركة الأسعار.

