الإمارات تقود تحول المنطقة إلى وجهة لرأس المال الخاص

برزت دولة الإمارات كأحد أبرز مراكز رأس المال الخاص في الشرق الأوسط، مع تحول المنطقة تدريجياً من مصدر لرؤوس الأموال المتجهة إلى الأسواق العالمية إلى وجهة تستقطب رأس المال الخاص وتعيد توظيفه محلياً، مدفوعة ببرامج التحول الاقتصادي، وتوسع الاستثمارات في البنية التحتية، وتطور المؤسسات والأسواق المحلية، وفقاً لتقرير جديد أصدرته «بلاك روك» بعنوان «تطور السوق: الشرق الأوسط».

ويشير التقرير، الذي يستند إلى بيانات «بريكين»، إلى تنامي ثقة المستثمرين وزيادة توظيف رؤوس الأموال داخل المنطقة، مع بروز التكنولوجيا والبنية التحتية، ولا سيما البنية التحتية الرقمية، باعتبارها من أبرز مجالات الفرص الاستثمارية.

وتخصص صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط 43.2% من تعرضها لرأس المال الخاص حتى منتصف 2026، مقارنة بـ 35.2% لدى نظيراتها في بقية العالم. وكانت النسبة في الشرق الأوسط 43.8% في 2023، و45.7% في 2024، و40.7% في 2025، مقابل 34.1% و35.8% و32.7% على التوالي لدى الصناديق في بقية العالم.

ويعكس هذا الفارق البالغ نحو 8 نقاط مئوية الوزن الذي باتت تحتله الأسواق الخاصة في محافظ المؤسسات السيادية بالمنطقة، في وقت تتجه فيه الحكومات والمستثمرون إلى قطاعات تدعم التنويع الاقتصادي وتعزز المرونة في مواجهة اضطرابات التجارة والشحن والطاقة.

كما ارتفعت نسبة المستثمرين من الشركاء المحدودين في الشرق الأوسط الذين ينظرون بإيجابية إلى تفويضات الاستثمار في الملكية الخاصة أو يدرسونها من 70% في 2019 إلى 83% في 2026، بينما ارتفعت النسبة خارج المنطقة بصورة محدودة من 60% إلى 61% خلال الفترة نفسها. وعلى مستوى فئات الأصول في المنطقة، بلغت نسبة المستثمرين الذين ينظرون بإيجابية إلى البنية التحتية 94%، والموارد الطبيعية 93%، والعقارات 88%، والائتمان الخاص 86%، والملكية الخاصة 83% في 2026.

وقال أيمان ضيف، العضو المنتدب ورئيس تطوير أعمال «علاء الدين» للشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا والهند في «بلاك روك»، إن اتجاه رؤوس الأموال في المنطقة يعكس تحولاً هيكلياً، مع توجيه المزيد من الأموال إلى الداخل وبناء المؤسسات والمنظومات الاستثمارية حولها.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستتحدد باستمرار التعاون بين صناديق الثروة السيادية والمكاتب العائلية ومديري الاستثمار العالميين، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا وأساليب الاستثمار القائمة على البيانات.

وتشير أبحاث «معهد بلاك روك للاستثمار» إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي ستستثمر نحو 2.1 تريليون دولار بحلول 2030، مع تركيز الإنفاق على تعزيز قدرة اقتصاداتها على مواجهة الاضطرابات في التجارة والشحن وأسواق الطاقة.

وتكتسب البنية التحتية الرقمية أهمية متزايدة مع بحث المستثمرين عن فرص في الطاقة والمرافق والنقل ومراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فيما تتزايد جاذبية المنطقة أمام مديري الأصول العالميين الباحثين عن فرص استثمارية طويلة الأجل.

الإمارات تتصدر جمع الأموال

وتؤكد بيانات «بريكين» المكانة المتنامية للإمارات في أسواق رأس المال الخاص، إذ جمعت الدولة 18.5 مليار دولار عبر 143 صندوقاً استثمارياً مقراً فيها منذ 2015 وحتى منتصف 2026، وهي أعلى حصيلة إقليمية خلال هذه الفترة.

وعلى مستوى المنطقة ككل، بلغ إجمالي جمع الأموال 7.7 مليار دولار في 2021، قبل أن يتراجع إلى 6.8 مليار دولار في 2022، و6.3 مليار في 2023، و6.0 مليارات في 2024، ثم 4.5 مليار دولار في 2025.

وشهدت تركيبة الأصول تحولاً لافتاً. فقد كانت العقارات في مقدمة الفئات، إذ جمعت 3.1 مليار دولار في 2016 وبلغت 4.2 مليارات دولار في 2021، قبل أن تهبط إلى 100 مليون دولار فقط في 2025. وفي المقابل، ارتفعت الأموال المجمعة للملكية الخاصة من 100 مليون دولار في 2015 إلى ذروة بلغت 7 مليارات دولار في 2024، ثم 3.5 مليارات دولار في 2025، و4.5 مليارات دولار حتى منتصف 2026.

ويظهر التباين بصورة أكبر في الائتمان الخاص ورأس المال الجريء، إذ يقل حجم الأموال التي تجمع محلياً لهذين القطاعين كثيراً عن حجم نشاط الصفقات، بما يشير إلى اعتماد جزء كبير من تمويل هذه الاستثمارات على رؤوس أموال تأتي من خارج المنطقة.

المكاتب العائلية في صدارة المستثمرين

وتشكل المكاتب العائلية المفردة والمتعددة أكبر شريحة من المستثمرين النشطين في الأسواق الخاصة بالشرق الأوسط، بحصة تبلغ 49.8% في 2026، أي ما يقارب نصف إجمالي الشركاء المحدودين النشطين في المنطقة.

وتتصدر الملكية الخاصة اهتمامات المكاتب العائلية في دول مجلس التعاون، إذ تمثل 27.3% من التفويضات الاستثمارية المستقبلية قيد الدراسة، تليها العقارات بـ18.8%، والائتمان الخاص بـ16.5%، والبنية التحتية بـ13.9%، وصناديق التحوط بـ12.9%، والموارد الطبيعية بـ10.8%.

وتشير هذه التركيبة إلى اتساع اهتمام المكاتب العائلية إلى ما يتجاوز الملكية الخاصة والعقارات التقليدية، مع ارتفاع أهمية الائتمان الخاص والبنية التحتية وصناديق التحوط والموارد الطبيعية ضمن استراتيجياتها الاستثمارية.

نشاط الصفقات يعيد رسم الخريطة

ويظهر التحول أيضاً في أنماط الصفقات. فقد استحوذ رأس المال الجريء على 90% من إجمالي صفقات مديري الصناديق العالميين في الشرق الأوسط منذ 2020، وبلغت قيمة صفقات رأس المال الجريء نحو 3.5 مليار دولار في 2022، فيما بلغ متوسطها السنوي 2.4 مليار دولار بين 2021 و2025. ويشير التقرير إلى أن السوق حافظ على هذا المستوى من النشاط رغم صعوبة ظروف التمويل في الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي سوق الاستحواذ، ارتفعت حصة صفقات الاستحواذ التكميلية من إجمالي صفقات الاستحواذ من 20% في 2020 إلى 46% في 2025، بما يعكس تنامي استخدام استراتيجيات «الشراء والبناء» لتجميع الحصص السوقية في أسواق المنطقة المجزأة.

كما ارتفعت الصفقات المباشرة للمستثمرين، ومن بينهم صناديق الثروة والمكاتب العائلية، من 12% في 2020 إلى 42% في 2023، قبل أن تتراجع إلى 7% في 2025.

وتكشف مقارنة النشاط داخل المنطقة وخارجها عن استمرار الحضور الدولي للمستثمرين الشرق أوسطيين، إذ بلغ عدد صفقات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء داخل المنطقة 146 صفقة في 2020، و222 في 2021، و212 في 2022، و191 في 2023، و169 في 2024، و178 في 2025، و68 حتى منتصف 2026.

وفي المقابل، بلغ عدد صفقاتهم خارج المنطقة 287 صفقة في 2020، و577 في 2021، و563 في 2022، و377 في 2023، و430 في 2024، و375 في 2025، و145 حتى منتصف 2026.

وتوضح هذه الأرقام أن التحول نحو الاستثمار المحلي لا يعني انحسار النشاط الخارجي للمستثمرين الشرق أوسطيين، وإنما يعكس اتساع قاعدة الفرص المحلية بالتوازي مع استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق العالمية.

الإنفاق على البنية التحتية والذكاء الاصطناعي

وتبرز البنية التحتية بوصفها أحد المحاور الرئيسية للمرحلة المقبلة، في ظل خطط الإنفاق الضخمة في دول مجلس التعاون، مع انتقال الاهتمام من البنية التحتية التقليدية إلى مراكز البيانات والطاقة والمرافق والنقل والبنية التحتية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويأتي ذلك بالتوازي مع ارتفاع مستوى النضج المؤسسي للمستثمرين في المنطقة، حيث لم تعد الأسواق العامة والخاصة تعمل باعتبارها مسارين منفصلين، بل تتداخل بصورة متزايدة ضمن محافظ استثمارية أكثر شمولاً.

وتشير نتائج التقرير إلى أن أكثر من 50% من المستثمرين يتوقعون تخصيص المزيد من رؤوس الأموال للملكية الخاصة والبنية التحتية، فيما قال أكثر من 70% إن الدعم والرعاية الحكومية المباشرة يشجعانهم على زيادة استثماراتهم. كما صنف المشاركون الشرق الأوسط باعتباره أكثر الأسواق الناشئة جاذبية في استطلاع المستثمرين.

ويعكس هذا المزيج من رأس المال السيادي والمكاتب العائلية والمستثمرين المؤسسيين تحولاً في موقع المنطقة داخل منظومة الأسواق الخاصة العالمية؛ فبدلاً من اقتصار دورها على توفير رأس المال الذي يبحث عن فرص في الخارج، تتجه دول الشرق الأوسط بصورة متزايدة إلى بناء فرص استثمارية محلية واستقطاب رؤوس الأموال العالمية للمشاركة فيها.

ومع تداخل الأسواق العامة والخاصة، تتزايد أهمية إدارة المحفظة الاستثمارية بصورة شاملة، مدعومة بأدوات تحليل المخاطر وإدارة البيانات، بما يسمح للمؤسسات والمستثمرين بالانتقال من تحديد الفرص إلى توظيف رؤوس الأموال بصورة مباشرة ومدروسة.