لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ بحري على الخريطة، بل تحوّل إلى قضية مفتوحة تختزل توازنات السياسة الدولية وتقلبات الاقتصاد العالمي، ومع إعلان إعادة فتح المضيق أمس، عاد الأمل الحذر إلى المشهد، مدفوعاً بمؤشرات على اقتراب تفاهم أمريكي- إيراني لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
ورفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل قاطع أي حديث عن فرض إيران لرسوم أو قيود على عبور المضيق، مؤكداً أن ذلك "لن يحدث"، مشيراً إلى أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، وأنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه 22 أبريل، ما يعكس استمرار الضبابية السياسية رغم الانفراجة الظاهرة.
ومع الإعلان اليوم السبت، عن إعادة إغلاق المضيق من جانب إيران، وتصريح وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بأن المضيق لم يعد بعد إلى وضعه الطبيعي رغم سريان وقف إطلاق النار، تتجدد حالة الارتباك واستمرار عدم اليقين والتذبذب في أسواق التداول ومعدلات التجارة وأسعار السلع، ما يعيد الأسواق إلى التسعير على أساس المخاطر.
انتعاش حذر
وشهدت الأسواق العالمية امس الجمعة تفاعلاً سريعا مع خبر فتح المضيق، فسجلت الأسهم الأمريكية مكاسب ملحوظة، مدعومة بآمال استقرار إمدادات الطاقة وانحسار احتمالات التصعيد العسكري، في المقابل، تراجعت أسعار النفط والدولار، بينما ارتفعت المعادن الثمينة والعملات المشفرة، في إشارة إلى إعادة تموضع المستثمرين بين المخاطر والفرص. كما انخفضت عوائد السندات الأمريكية، ما يعكس توجها نحو الأصول الآمنة، رغم تحسن المزاج العام في الأسواق.
وفي ختام تداولاتها، انتعشت الأسهم في بورصة «وول ستريت»، بعد الإعلان عن أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل، ما عزز الآمال في انتهاء الحرب بالشرق الأوسط، وعودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها.
وصعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب 1.6% إلى 4883.20 دولاراً. وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 4.91%، إلى 81.99 دولاراً للأونصة، وصعدت 8% خلال الأسبوع، وزاد البلاتين 2.1%، ليسجل 2130.42 دولاراً، وربح البلاديوم 2.4%، ليصل إلى 1588.44 دولاراً.
وارتفعت العملات المشفرة، وزاد سعر عملة «بتكوين» 3.83%، إلى 75059.9 دولاراً، بعدما لامست مستوى 74.56 ألف دولار في وقت سابق.
وهبط مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من 6 عملات بنحو 0.53%، إلى 97.69 نقطة. وانخفضت عوائد السندات الأمريكية إلى أدنى مستوياتها في شهر، وهبط العائد على السندات الأمريكية لأجل عامين بمقدار 7.4 نقاط أساس.
تأمين الشريان
وفي موازاة، عقدت 50 دولة اجتماعا عبر الفيديو أمس الجمعة تحت عنوان "محادثات باريس"، لوضع خطة دولية تهدف إلى حماية خطوط الملاحة وضمان انسيابية إمدادات الطاقة، في مشهد يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار هذا الشريان الحيوي مسؤولية عالمية مشتركة.
وأكدت دول أوروبية كبرى، إلى جانب بريطانيا وألمانيا، استعدادها للمشاركة في مهمة لحماية الملاحة وضمان انسياب إمدادات الطاقة.
وشدد القادة الأوروبيون على رفض أي قيود أو رسوم على المرور في المضيق، مؤكدين أن حرية الملاحة في "هرمز" مبدأ غير قابل للتفاوض. وبرزت الصين ضمن الأطراف المعنية بضمان استقرار هذا الممر الحيوي، في ظل اعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة العابرة عبر "هرمز" ما يعزز الطابع العالمي للأزمة.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر : إن أكثر من 12 دولة أبدت استعدادها للمشاركة في مهمة دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف.
وأضاف في تصريحات صحفية: "سنمضي قدما في هذا الأمر مع عقد مؤتمر في لندن الأسبوع المقبل حول خطة عسكرية، وسنعلن فيه مزيدا من التفاصيل عن تشكيل المهمة، وقد عرضت أكثر من 12 دولة بالفعل المساهمة بأصول".
من جهته، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الاجتماع مكنهم من إيصال رسالة موحدة مفادها المطالبة بالفتح الفوري وغير المشروط للمضيق وإعادة حرية العبور.
وتابع: "نعارض جميعا أي قيود وأي أمر سيفضي فعليا لمحاولة خصخصة المضيق وأي نظام رسوم بالطبع"، مشيراً إلى أن بعض القطع البحرية الفرنسية الموجودة حاليا في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر يمكن الاستعانة بها في المهمة.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن بلاده مستعدة للمشاركة في المهمة. وأضاف أن مساهمة من الولايات المتحدة ستكون "مرغوبة" أيضا وأنه لا يريد أن يصبح الأمر "اختبارا لمتانة" العلاقات عبر الأطلسي.
وقال عدد من الدبلوماسيين إن المهمة قد لا ترى النور إذا عاد الوضع في مضيق هرمز إلى طبيعته.
وقال آخرون إن شركات الشحن والتأمين يمكن أن تطالب بمثل هذه المهمة خلال مرحلة انتقالية لتوفير ضمانات وتطمينات.
وذكر مسؤول فرنسي كبير "يمكن أن يشمل ذلك تبادل معلومات المخابرات وقدرات إزالة الألغام والمرافقة العسكرية وآليات لتبادل المعلومات مع الدول المجاورة، وغير ذلك".
من الجغرافيا إلى "الترند"
في ظل هذه التطورات، خرج مضيق هرمز من نطاق الجغرافيا إلى فضاء الحياة اليومية، ليصبح "ترنداً عالمياً" سواء بالإغلاق أو الفتح ، يتردد صداه في الأسواق ووسائل الإعلام وحتى في أحاديث الناس. لم يعد الحديث عنه حكراً على خبراء الطاقة أو السياسيين، بل أصبح مؤشرا مباشرا على تكلفة المعيشة، وأسعار الوقود، واستقرار سلاسل الإمداد.
فمع كل خبر عن المضيق، تتحرك الأسواق، وتتبدل الحسابات، ويشعر العالم بأكمله بأن هذا الممر الضيق بات أحد أهم مفاتيح استقراره الاقتصادي.
