من يدفع فاتورة الاضطرابات في "هرمز"؟

مع انطلاق المحادثات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، اليوم، والمقرر أن تتناول قضايا وقف إطلاق النار وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم والغاز المسال، يبرز تساؤل جوهري رغم التأكيدات الأمريكية بأن المضيق ممر دولي لا يخضع لرسوم: ما تبعات اضطراب الملاحة أو إغلاق المضيق أو فرض رسوم عليه، ومن يتحمل التكلفة؟

وقد تصاعدت حدة هذه التساؤلات عقب تصريحات دونالد ترامب لصحيفة "نيويورك بوست"، التي ربط فيها بشكل مباشر بين إعادة فتح المضيق والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ملوحاً باستخدام القوة العسكرية في حال فشل المفاوضات ومتوعداً طهران بضربات جديدة، بينما حذر نائبه "جي دي فانس" الإيرانيين من التلاعب، معرباً عن تطلعه لمفاوضات إيجابية.

يعزز تصريح ترامب الأخير من احتمالات التصعيد، إذ ربط مباشرة بين فتح المضيق واستمرار وقف إطلاق النار، واضعاً خيار القوة على طاولة المفاوضات، مما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي تطور.

تذبذب الأسواق

وشهدت الأسواق العالمية خلال الأيام الثلاثة الماضية عقب إعلان وقف إطلاق النار الثلاثاء الماضي، تباينا في أسعار السلع حيث ارتفع سعر الذهب وانخفض النفط وارتفعت الأسهم وتراجع الدولار وعاد الارتفاع ليصاحب العملات الرقمية.

وارتفعت أسعار المعدن النفيس، أمس، متجهة لتسجيل مكاسب أسبوعية بعد انخفاض الدولار، عقب ​وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي لا تزال الأسواق تقيّم مدى صموده وتداعياته على أسعار الفائدة.

وخلال التعاملات، زاد الذهب في المعاملات الفورية 0.3% إلى 4778.89 دولاراً للأوقية (الأونصة) محققاً مكاسب تجاوزت 2% منذ ⁠بداية الأسبوع. وانخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم يونيو 0.3% إلى 4804 دولارات.

واتجه الدولار نحو انخفاض ​أسبوعي، ⁠ما يجعل الذهب ⁠المقوم بالعملة الأمريكية أرخص لحائزي العملات الأخرى.

وارتفع مؤشر الدولار، ما يجعل الذهب المسعّر بالعملة الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي ⁠العملات الأخرى.

وزاد الطلب على الذهب قليلاً في الهند خلال الأسبوع قبل احتفال رئيسي، لكن ارتفاع الأسعار أثر سلباً في المعنويات ​وانخفضت العلاوات في الصين.

وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1.7% إلى 76.34 دولاراً للأوقية. وتراجع البلاتين 2.5 إلى 2050.99 دولاراً، وهبط البلاديوم 2.5% إلى ​1518.66 دولاراً.

وانخفض سعر خام برنت من نطاق 111 دولاراً للبرميل الاثنين 7 أبريل إلى 95 دولاراً للبرميل في ختام تداولات أمس.

الألغام التائهة

من جانبهم، أوضح مسؤولون أمريكيون اليوم السبت، أن إيران تواجه صعوبة في زيادة حركة الملاحة عبر المضيق؛ لعدم قدرتها على تحديد مواقع الألغام التي زرعتها هناك أو إزالتها.

مضيق هرمز ممر مائي ضيق يصل الخليج العربي ببحر العرب وصولاً إلى المحيط الهندي، ويعد شريان الطاقة الأكبر على الكوكب.

ووفقاً لما كشفه هؤلاء المسؤولون لصحيفة "نيويورك تايمز"، يُعد هذا التطور عائقاً أمام زيادة تدفق السفن عبر المضيق، وقد يشكل عاملاً معقداً خلال المحادثات التي يجريها الوفد الإيراني مع الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس في باكستان.

وأفادوا بأن إيران استخدمت قوارب صغيرة لزرع ألغام في المضيق الشهر الماضي، وذلك عقب اندلاع المواجهات بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقد أدت هذه الألغام، إلى جانب تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، إلى تعطيل حركة ناقلات النفط والسفن، مما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة.

وأوضح المسؤولون أن إيران زرعت الألغام بطريقة عشوائية دون توثيق مواقعها بدقة، مما يرجح تحرك بعضها أو انجرافها.

وأشاروا إلى أن إزالة الألغام البحرية عملية بالغة الصعوبة، وأن الجيش الأمريكي يفتقر إلى قدرات واسعة في هذا المجال، حيث يعتمد على سفن قتالية ساحلية ذات قدرات كاسحة للألغام، في حين لا تمتلك إيران القدرة على إزالتها بسرعة، حتى تلك التي زرعتها بنفسها.

فتح المضيق

وكان ترامب قد ذكر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي الثلاثاء الماضي، تعليقاً على الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أن استمرار وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مرهون بفتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري وآمن، مما يعكس تحول ملف الملاحة من تفصيل تفاوضي إلى جوهر الصراع.

إلى ذلك، صرّح وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، بأنه حثّ طهران على الالتزام بوقف إطلاق النار والانخراط في مفاوضات بناءة.

وكتب فاديفول على منصة "إكس": "لقد دعوت إيران إلى احترام وقف إطلاق النار، والمشاركة في محادثات بنّاءة، وضمان حرية وسلامة الملاحة عبر مضيق هرمز".

وفي السياق نفسه، دعا وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريز، طهران إلى خوض المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة في باكستان بحسن نية.

المشهد الاقتصادي

وفي هذا السياق، رصدت وكالات الأنباء الدولية خلال الأيام العشرة الماضية من أبريل الجاري مشهداً ميدانياً واقتصادياً معقداً؛ فقد أشارت تقارير رويترز إلى أن الهدنة لم تُترجم إلى عودة طبيعية للملاحة، إذ أكدت شركات شحن كبرى، مثل "ميرسك"، استمرار حذرها الشديد في التعامل مع الممر، معتبرة أن التهدئة قد تتيح فرصاً محدودة للعبور دون توفير ضمانات كافية.

وفي تطور سياسي لافت، أفادت رويترز بأن كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا ناقش مع ترامب ضرورة وضع خطة عملية لإعادة فتح المضيق، مما يؤكد نظرة القوى الغربية للهدنة الحالية كإجراء غير كاف لضمان استقرار الإمدادات. كما حذرت تحليلات اقتصادية نقلتها الوكالة من أن تدفقات النفط لا تزال مقيدة، وأن أي تأخير في استعادة المستويات الطبيعية قد يفاقم الأزمة.

من جانبها، سلطت أسوشيتد برس الضوء على بُعد آخر في الأزمة، يتمثل في طرح فكرة فرض رسوم عبور على السفن، حيث نقلت عن خبراء قانونيين أن هذه الخطوة تمثل خرقًا للأعراف الدولية، لكنها تعكس في الوقت ذاته توجّهًا نحو "تسعير الممرات الاستراتيجية". هذا الطرح لا يقتصر تأثيره على مضيق هرمز فقط، بل قد يشكل سابقة عالمية تعيد تشكيل قواعد التجارة الدولية، إذا ما تم تبنيه أو التغاضي عنه.

سيناريوهات ثلاثة

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الأزمة  تشمل ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الإغلاق، والاضطراب، وفرض الرسوم.

ويمثل الإغلاق الصدمة الأشد وطأة، إذ يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وتعطل فوري لسلاسل الإمداد. أما الاضطراب فيخلق حالة من القلق المزمن، حيث تستمر الإمدادات لكن بتكلفة أعلى ومخاطر أكبر. بينما يعد فرض الرسوم السيناريو الأكثر تأثيراً على المدى البعيد، نظراً لإضافته تكلفة دائمة تتسرب تدريجياً إلى الاقتصاد العالمي.

ولا تنحصر هذه التكاليف في أسواق الطاقة، بل تنتقل عبر سلسلة مترابطة تبدأ بارتفاع أسعار النفط والغاز، ثم تمتد لتشمل تكاليف النقل والشحن، وصولاً إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية.

"هرمز" أزمة معيشية

وهنا تتبدى حقيقة ما أوردته وكالات الأنباء؛ بأن ما يحدث في مضيق هرمز ليس أزمة إقليمية، بل أزمة معيشية عالمية. فالدول المستوردة للطاقة تواجه ضغوطاً متزايدة على ميزانياتها، والأسواق الناشئة تعاني من تقلبات العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد، بينما تجد الشركات نفسها أمام خيار صعب بين تحمل التكاليف أو تحميلها للمستهلك.

لم يعد السؤال مطروحاً حول احتمالية إغلاق مضيق هرمز، بل حول تحوله إلى أداة ضغط مستدامة على الاقتصاد العالمي؛ الأمر الذي ينذر بتحول هيكلي في قواعد التجارة والطاقة، وليس مجرد أزمة عابرة. وفي نهاية المطاف، فإن فاتورة إغلاق المضيق، أو اضطراب حركة الملاحة فيه، أو فرض رسوم عليه، هي تكلفة عالمية يتحملها الجميع، ويكون المستهلك هو من يسدد الجزء الأكبر منها.