نشأ بين مطابخ مطاعم عائلته، وكان ينتظره مستقبل مختلف تماماً، لكن شغفه بالطهي قاده في رحلة امتدت من كندا وأوروبا إلى الهند، قبل أن يجد في دبي المكان الذي يجمع ثقافات وتجارب عاشها على مدى عقود.
لم يكن قرار كلفن تشيونغ احتراف الطهي مفاجئاً بقدر ما كان مخالفاً لما خططت له أسرته، فالشاب الذي نشأ في عائلة تدير المطاعم كان يفترض، وفق ما يصفه بـ«حلم المهاجر»، أن يصبح طبيباً، وأن تتجه شقيقته إلى المحاماة وشقيقه إلى الهندسة، أما المطبخ، على الرغم من حضوره في حياته منذ طفولته، فلم يكن المستقبل الذي تمناه والداه له.
وحين أخبر والده، في سن الثانية والعشرين، برغبته في أن يصبح طاهياً، وضع الأب أمامه صورة صريحة للحياة التي تنتظره، وهي عبارة عن ساعات عمل طويلة، وغياب عن المناسبات والأعياد، وحياة أسرية يصعب أن تسير وفق النمط المعتاد.
كان والده يتحدث من تجربة شخصية، فعمله في المطاعم كان يعني أنه يغادر المنزل قبل ذهاب ابنه إلى المدرسة، ويعود بعد نومه.
ويقول تشيونغ: «لم نكن نرى بعضنا كثيراً، وكانت علاقتنا تبدأ فعلياً عندما أعمل معه في المطعم».
وحذره والده أيضاً من صعوبة العثور على شريك حياة يستطيع فهم متطلبات حياة الطاهي وصاحب المطعم، لكن شيئاً من ذلك لم يكن مجهولاً بالنسبة إلى تشيونغ، فقد عاش هذه الحياة منذ سنواته الأولى.
مطبخ العائلة
وُلد تشيونغ في تورونتو لعائلة تعمل في المطاعم الصينية، وبدأ ارتباطه بالمطبخ في سن مبكرة للغاية.
ولم تكن العائلة تستعين بجليسة أطفال، لذا كان المطعم جزءاً من حياته اليومية، وفي الرابعة من عمره كان يساعد في إعداد بسكويت اللوز داخل المخبز، ثم انتقل إلى تحضير عجائن «الدمبلينغ» ولفائف الربيع.
ومع تقدمه في العمر، مر تقريباً بكل وظيفة يمكن أن يوفرها المطعم، من غسل الأطباق وخدمة الطاولات إلى العمل نادلاً ومديراً، حتى وصل إلى المطبخ، حيث بدأ بغسل الخضراوات، ثم القلي والتبخير وإعداد «الديم سام» والطهي باستخدام الـ«ووك».
ويقول إنه كان يعمل بدوام كامل منذ سن الثانية عشرة، ورغم تفوقه في الدراسة، ظل شعوره تجاه مستقبله ثابتاً: «كنت أعرف في داخلي أن المطبخ هو المكان الذي أنتمي إليه».
شرط الأب
لم يرفض والده اختياره نهائياً، لكنه وضع أمامه اختباراً: إذا كان يريد أن يصبح طاهياً، فعليه أن يثبت قدرته بعيداً عن مطاعم العائلة، فقضى تشيونغ عاماً يتنقل بين مطاعم وفنادق شيكاغو، متدرباً في مطابخ ومدارس مختلفة، من الطعام الكوري إلى المطبخ الفرنسي والفنادق.
ويتذكر بداياته ويقول: «كنت أريد أن أثبت أنني قادر على العمل في أي مطبخ».
مكالمة غيرت حياته
في أوائل الثلاثينات، كان تشيونغ يستعد لافتتاح مطعم في تورونتو عندما توقف المشروع إثر خلاف مع مالك العقار، وفجأة، وجد نفسه بلا مطعم أو خطة تالية.
وفي تلك اللحظة جاءت مكالمة من طالب سابق في مومباي بشأن مطعم «Ellipsis» في منطقة كولابا، ولم تكن الهند الوجهة التي يفكر فيها تشيونغ آنذاك، بل يقول بصراحة إنه لم يكن يعرف الكثير عنها ولم تكن لديه رغبة في الانتقال إليها.
لكن اتصالاً تالياً من مالك المطعم غيّر المسار، فحصل على فرصة إعادة بناء المشروع بحرية، وقَبِل عقداً لمدة ستة أشهر، وجمع فريقاً من أشخاص سبق أن عمل معهم في أمريكا الشمالية.
وبحسب وصفه، أصبح المطعم ظاهرة بين ليلة وضحاها وتحول العقد الذي بدأ بستة أشهر إلى إقامة امتدت لأكثر من عشر سنوات.
الفصل الجديد
كانت الهند قد منحته أكثر من عقد من حياته، وهناك وُلد ابنه وتكونت صداقات عميقة، لكنه أراد لعائلته نوعية حياة مختلفة، ولنفسه فرصة تأسيس علامة تحمل اسمه وهويته، وكانت دبي حاضرة في ذهنه.
وبدأ زيارة المدينة منذ نحو عامي 2016 و2017، خلال دراسته فرصاً محتملة للتوسع، وعندما ظهرت الفرصة المناسبة أخيراً، لم يحتج إلى كثير من التفكير.
وبحسب تشيونغ: «كانت الموافقة تلقائية. كنا نعرف أن هذا هو المكان الذي نريد أن نكون فيه».
بالنسبة إليه، لم يكن الاختيار تجارياً فحسب، إنماعائلياً أيضاً، فقد وجد في دبي ما كان يبحث عنه من أمان وجودة حياة لأسرته، إلى جانب البيئة التي تسمح ببناء علامة خاصة.
ويقول: «إنها واحدة من أفضل الأماكن في العالم، إن لم تكن الأفضل، للعائلة».
«طعام كلفن»
في دبي، ولد مطعم «Jun’s» في وسط المدينة، والمدرج ضمن المطاعم المختارة في دليل ميشلان، لكن تشيونغ لم يكن يريد تقديم مطعم صيني جديد، أو وضع مشروعه تحت مظلة عامة مثل «المطبخ الآسيوي».
فقد الفكرة أكثر ارتباطاً برحلته الشخصية، فبدأ يجمع على الطبق الواحد تجارب نشأته في مطاعم عائلته، وحياته في أميركا الشمالية، وتدريبه الأوروبي، وعقده الطويل في الهند.
ويسمي ذلك «طهي الثقافة الثالثة»، ويقول: «الثقافة الثالثة هي أنا».
استغرق منه الأمر سنوات حتى يتصالح مع هوية لا تنتمي بصورة كاملة إلى قالب واحد. كان «غير صيني بما يكفي» في بيئة، و«غير أجنبي بما يكفي» في أخرى، ليكتشف في النهاية أن المزج نفسه هو هويته.
ومن هنا جاءت فلسفته في الطعام: لماذا يجب أن يكون الطبق صينياً أو يابانياً أو هندياً؟ ولماذا لا يكون ببساطة «طعام كلفن»؟
ويصف أسلوبه بأنه طهي بلا حدود، يسمح له باستخدام نكهات وتقنيات من الصين والهند وفيتنام واليابان وفرنسا ودول أخرى، طالما أن النتيجة تعكس تجربته الشخصية بصدق.
«الثقافة الثالثة هي دبي»
ربما لهذا السبب وجد تشيونغ في دبي البيئة المناسبة لفكرته، فعندما افتتح «Jun’s»، احتاج الجمهور إلى بعض الوقت لفهم المطعم، وكان البعض يدخل إليه متوقعاً طعاماً صينياً لمجرد أن الشيف من خلفية صينية، لكن مع الوقت، وجد المطعم جمهوره.
ويقول تشيونغ إن ما بين 56 و57% من زبائن المطعم يومياً هم من الزوار الدائمين، وبعضهم يتردد إليه عدة مرات أسبوعياً.
وبالنسبة إليه، هناك منطق واضح وراء نجاح «طهي الثقافة الثالثة»، فالثقافة الثالثة، في جوهرها، هي دبي، فالمدينة، كما يراها، تضم أشخاصاً جاءوا من مختلف أنحاء العالم ثم أصبحت دبي جزءاً من تعريفهم الشخصي لأنفسهم.
ويقول: «أشخاص نشأوا في النصف الآخر من العالم أصبحوا اليوم يقولون إنهم من دبي. لم يعودوا مجرد مقيمين. نحن دبي، نحن أهل دبي»، وهذا التنوع، في رأيه، يجعل الجمهور أكثر استعداداً لفهم طبق يحمل في داخله أكثر من ثقافة وأكثر من مكان.
«أنا من أكبر المروجين لدبي»
لا يفصل تشيونغ بين النجاح الذي حققه في المدينة وبين طبيعة دبي نفسها، فالمدينة، بحسب رؤيته، تستوعب الاتجاهات العالمية بسرعة استثنائية: «عندما يحدث شيء في العالم، تجده هنا».
ويقول: «أنا من أكبر المروجين والمناصرين لدبي، لأنني أؤمن بأنها أفضل مكان في العالم، وأعتقد أن هذا هو سحر دبي».
ويمتد نشاطه اليوم إلى ما هو أبعد من «Jun’s»، ليشمل «Little Jun’s» في «تايم أوت ماركت دبي»، إلى جانب «Jooksing» و«852 Bakery» و«Liu by Jun’s».
وحين يُسأل عما إذا كانت رحلته تعكس مفهوم «دبي الأفعال»، القائم على تحقيق نتائج لافتة من خلال العمل والمثابرة والإصرار، تأتي إجابته حاسمة: «1000%».
ويرى أن دبي أصبحت في طليعة مجالات تشمل الموضة والفخامة والطعام والشراب، وأن الاهتمام العالمي المتواصل بها يفسر اندفاع أسماء كبرى في عالم الطهي والفنادق إلى تأسيس حضور لها في المدينة.
دبي الوطن
بعد خمسة أعوام في دبي، تبدو إجابة تشيونغ عن السؤال الأصعب، أين الوطن؟، أكثر وضوحاً، فالوطن أولاً حيث توجد زوجته وابنه، لكن دبي اليوم هي البيت، ويعبر عن ذلك قائلاً: «ليست لدينا خطط للرحيل. ما زلنا نطبخ، وما زلنا هنا.. ونحن هنا لنبقى».


