لماذا تمنحك الأسطوانة قصة في حين تكتفي منصات الموسيقى بالاستهلاك؟

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان كاتب هذا الموضوع يستمع إلى أغنية في الإذاعة عبر جهاز تشغيل الكاسيت، فأعجبته فسجلها فوراً. وذهب بالشريط إلى متجر موسيقي في مركز تجاري وطلب من البائع تشغيل الأغنية على سماعات المحل الضخمة والتعرف إلى الأغنية والمغني وإحضار الألبوم إن كان متوفراً ليشتريه الكاتب.

يتذكر هذا الكاتب كل ألبوم غنائي اشتراه بهذه الطريقة أو بطريقة الاستكشاف من خلال التجول في ممرات متاجر الموسيقى الضخمة.

ثم تطورت التجربة في الأسفار، حيث دخل الكاتب متاجر HMV وبلوكباستر و Fopp في لندن، ومتجر Real Groovy في أوكلاند - نيوزلندا أو fnac في فرنسا، وكلها متاجر موسيقى وأفلام ما زالت موجودة إلى اليوم وصمدت في حقبة البث التدفقي، والأغرب أن زبائنها ليسوا أشخاصاً في منتصف الأربعين أو أكبر، بل نسبة كبيرة منهم مراهقون.

في هذه المتاجر تجد أرفف تصطف عليها الأسطوانات على امتداد البصر مرتبة بطريقة تغازل العين، لدرجة أنك لا تحتاج لفتح هاتفك ومراجعة جوجل للتأكد من تاريخ الطرح.

في هذه المتاجر الضخمة التي قد تمتد لطابق تحت الأرض، ستجد أفلاماً من كل صنف، من الحقبة الصامتة إلى جديد الأسبوع الماضي. وموسيقى بكل الأشكال والألوان والأنواع، حتى الكاسيت لم يجد من يرفضه في هذه العوالم الجميلة.

والأجمل أن الكاسيت يباع مع جهاز تشغيل خاص اخترع خصيصاً لهذه الحقبة يحول لك الموسيقى إلى وحدة رقمية تسمعها أينما كنت. وأما الكاسيت فتحتفظ به بعد استخدام مرة واحدة ليذكرك بالقصة الجميلة التي حدثت لك لتشتريه.

في هذه المتاجر تجد الأقراص المضغوطة CD تزهو بتصاميم الفنانين الذين طبعوا إبداعاتهم على أغلفتها، ومن التصميم قد لا تحتاج لمعرفة سنة الإنتاج، خصوصاً لو كنت تفهم أسلوب التصميم في العقود الماضية.

في المتاجر ستضيع حتماً بين ممرات الأقراص التي ترى نهايتها بعينك المجردة، ولكن كل رف وكل صف من الأقراص يجعلك تقف أمامه 10 دقائق على الأقل. تصوره وتتصور معه. ثم ترسل الصورة لأصدقائك الذين يقدرون قيمة المكان. فيحتفون بالصور ويتمنون أن يكونوا معك.

هذه المتاجر تبيع حتى الكتب الموسيقية وسير الفرق الغنائية الذاتية، وملابس مطبوع عليها صور الفرق الموسيقية الترويجية، وحتى جوارب عليها صور ساخرة ومضحكة لتلك الفرق أو لمصلقات أفلام أو شخصيات إيقونية سينمائية.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فلو أردت استشارة فالبائع في هذه المتاجر ليس مجرد شخص عادي بل هو مثلك تماماً شاهد معظم الأفلام المحيطة به، واستمع إلى أغلب الأسطوانات التي تملأ المكان من فوقه وتحته.

وهناك قسم خاص للأسطوانات المستعملة، والتي تبدو كأثر قديم من مغارة زمنية تنظر إليك بطرف غلاف ممزق يفرض عليك احترام صموده إلى هذا الزمن وعليها ملصق أبيض مكتوب عليه: «المنتج داخل الغلاف بحالة جيدة جداً».

هذه ليست مجرد تجربة تسوقية في متاجر الموسيقى، هذه المتعة بعينها لكل عاشق موسيقى وأفلام يستمتع بملامسة المنتج وقراءة المكتوب خلف الغلاف ووضعه في سلة التسوق، يستمتع بتمرير أصابعه بين الأسطوانات من أولها لآخرها في الصف الواحد للبحث عما يقصده.

اليوم، نفتح تطبيقات الموسيقى التدفقية على هواتفنا الذكية، المنصة الواحدة تحوي أكثر من كل ما في المتاجر الموسيقية. تقنياً، هذا أمر رائع.

لكن كمستمع هذه تجربة خالية أشبه بميتة. المنصات فوضوية كالأدغال مهما كان ترتيبها، تبحث لساعات ولا تنتهي وغالباً لا يستوقفك شيء. قائمة تشغيل مخصصة وراء الأخرى، أغنية منفردة تلو الأخرى.. سلسلة الإمداد لا تتوقف. لكن ربما هذه المشكلة بعينها.

فضاء لا ينتهي تضيع فيه تماماً دون أن تحفظ أين كنت. مهما أعدت المحاولة فلن تتذكر شيئاً. تختار ألبوماً فتفاجأ بأن أغنية محذوفة (لا يمكن تشغيلها) بسبب نزاع حقوقي! فتسمع ألبوماً ناقصاً. هذه حقيقة موجودة في المنصات فقط ولا تجدها أبداً في المتاجر.

لا نقول، إن المنصات سيئة، بالعكس هي سهلت تجربة الاستماع إلى أقصى حد وهي حقيقة يستحيل إنكارها وساعدت الكثيرين في اكتشاف موسيقاهم المفضلة.

لكن التجربة ليست كالملاءمة، التجربة قصة لن تنساها، أما الملاءمة والسهولة المفرطة في الاستخدام فتمنحك مجرد استهلاك فقط.