لماذا يتسارع العالم في سوشيال ميديا حتى حين لا يحدث أي شيء؟

لو شاهدت أي فيديو قصير على سوشيال ميديا، ستلاحظ شيئاً غريباً: كل شيء يتحرك بسرعة فائقة رغم أنه في الحقيقة لا يحدث شيء إطلاقاً. لو أخذنا فيديو لشخص يحتسي قهوة سنرى التالي: يدخل المحل. قهوة تسكب في الكوب. يصب فيها حليب. يرتشف من الكوب. انتهى. 5 ثوانٍ فقط.

مرت خمس ثوانٍ، ربما ست، وها نحن قد شاهدنا بالفعل ما كان يُفترض أن يكون عدة دقائق هادئة من الحياة، وقد ضُغطت واختُزلت في دفعة خاطفة من الحركة.

وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بمجرد تقصير مدة مقاطع الفيديو؛ بل غيرت إدراكنا للكيفية والسرعة التي يُفترض أن تمضي بها الحياة الطبيعية من حولنا.

تأمل أمراً بسيطاً مثل الدخول إلى غرفة فندق: في الواقع، تفتح الباب، وتدخل، وربما تضع حقيبتك جانباً، ثم تتلفت حولك وتلاحظ الإطلالة في نهاية المطاف. أما على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن التجربة ذاتها قد تُختزل في عشرين لقطة خاطفة متتالية.

مقبض الباب. فتح الباب. السرير. الحمام. آلة إعداد القهوة. الستائر. الشرفة. الإطلالة. مع صوت مؤثر سوشيال ميديا يتحدث بسرعة شديدة كأنه يتنافس مع معلقي مباريات أمريكا الجنوبية.

لم يحدث أي شيء ولا أحد يركض، ولا توجد حالة طوارئ، ومع ذلك يتصرف المونتاج وكأن المشاهد يتابع مشهد حركة ومطاردة. والسبب وراء ذلك بديهي: لقد أصبح الانتباه هو عملة الشاشة الحقيقية.

غير أن هذه التقنية تسبق ظهور «تيك توك» و«إنستغرام»؛ ففي وقت مبكر يعود إلى عام 2009، صرحت المنتجة جيل باورلي لمجلة Wired قائلة: «القطعات السريعة ستجذب تركيز المشاهد وتحافظ عليه، حتى لو كان المحتوى غير ممتع».

ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي هو أخذ هذا المبدأ إلى أقصى حدوده المنطقية؛ فعلى منصات مبنية بالأساس على التمرير اللانهائي، يدرك صُنّاع المحتوى أن المشاهدين قادرون على المغادرة بأبسط حركة من إصبع الإبهام. والنتيجة هي أسلوب مونتاج قائم بالكامل على منع السكون.

ولهذا السبب بالتحديد يبدو الكثير من الناس على وسائل التواصل الاجتماعي وكأنهم يتحدثون دون أن يتنفسوا.

استمع بدقة إلى العديد من مقاطع الفيديو التي تعتمد على الحديث المباشر للكاميرا، وستلحظ شيئاً غير طبيعي: ينهي المتحدث جملة ويبدأ بالأخرى فوراً، دون أي فاصل من الصمت بينهما. لقد حُذفت تلك الوقفات البسيطة التي تمنح الكلام البشري إيقاعه الطبيعي المعتاد.

لم يتعلم صانع المحتوى التحدث بسرعة أكبر؛ بل إن المونتير قد حذف الوقت ببساطة.

كان للقطعات المفاجئة (Jump cuts) في السابق طابع بصري محدد؛ فقد كانت تبدو مربكة، أو تجريبية، أو ملحوظة عن قصد. أما اليوم، فقد باتت شائعة ويتقبلها المشاهد بوصفها أمراً طبيعياً تماماً.

وتتلقى تجارب السفر المعاملة ذاتها؛ فالمدينة التي كانت تكشف عن نفسها تدريجياً في السابق — عبر شوارعها، وأصواتها، وطقسها، وناسها، ومسافاتها — بات يمر منها اليوم 10 معالم سياحية قبل أن يجد المشاهد متسعاً من الوقت ليدرك أين كان المعلم الأول أصلاً.

وثمة مفارقة ساخرة هنا: إن العديد من التجارب التي يجري تسريعها الآن هي في الأصل أنشطة أحبها الناس واعتزوا بها تحديداً لأنها كانت بطيئة: كاحتساء القهوة، الطهي، المشي، السفر والترحال، تأمل غروب الشمس والجلوس بجوار البحر.

تأخذ وسائل التواصل الاجتماعي هذه التجارب القائمة على الاسترخاء والتأني، ثم تُخرجها وتمنتجها بالطاقة العصبية المتوترة ذاتها التي تصاحب مشاهد مطاردات السيارات.

فحتى الاسترخاء، يبدو أنه بات مجبراً على الركض بأقصى سرعة!

يتجاوز هذا الأثر حدود المونتاج؛ فالصناع باتوا يؤدون حركاتهم جسدياً بما يتلاءم مع هذا الإيقاع المضغوط. يدخلون الغرف بسرعة أكبر، ويلتفتون نحو الكاميرات بحدة ويلقون بالمكونات داخل الأوعية، ويفرقعون بأصابعهم للتبديل بين الأزياء، ويبالغون في حركاتهم بحيث تحتوي كل ثانية على نشاط بصري لافت.

وهكذا، يبدأ الواقع بتقليد المونتاج وأصبحت القطعات بحد ذاتها هي مادة الترفيه.

إن الحياة العادية لم تتسارع فجأة، كل ما في الأمر أننا أصبحنا، وبصورة متزايدة، غير مستعدين لمشاهدتها وهي تمضي بسرعتها الطبيعية.