ساعة العودة.. الفنانون من الأزمة إلى النهضة 1-2


هناك نمط متكرر في مسيرة نجوم البوب يبدو للوهلة الأولى كأنه محض صدفة، إلى أن تشاهده يتكرر ثلاث أو أربع مرات: فنان يثير موجة هجوم واستياء جماهيري حقيقي، فيتوارى عن الأنظار لفترة من الوقت، ثم يعود ليس عبر جولة لتقديم الاعتذارات، بل بعمل فني محدد وموقوت بدقة في اللحظة التي لان فيها الرأي العام بما يكفي للاستماع إليه مجدداً.


إنه ليس احتواءً للأضرار بالمعنى الانفعالي السريع، بل حملة ثانية تنطلق فقط حين تكون الموجة الأولى قد استنفدت كامل طاقتها وتلاشت.

وتعد أغنية «Rain» لمادونا نموذجاً ناصعاً على ذلك؛ ففي أعقاب الهجوم العنيف الذي طال كتابها المثير للجدل التي ظهرت فيه بصور غير محتشمة وألبومها الصريح عن نفس موضوع الكتاب عام 1992؛ يُنظر إلى «Rain» على نطاق واسع بوصفها خطوة التعافي الأولى وهي خطوة لافتة لأنها كُتبت في الأصل مبكراً خلال جلسات التسجيل ذاتها لتلك الأعمال المثيرة للجدل، ثم حُجبت عمداً لتصدر بعد قرابة عام كامل كواحدة من آخر الأغاني المنفردة من الألبوم، بمجرد أن هدأت حدة الجدل وباتت الثقافة الجماهيرية مستعدة لرؤية مادونا بصورة أكثر هدوءاً ورقة وضعفاً من جديد. لم تكن الأغنية مجرد رد فعل، بل ورقة رابحة محجوبة ومحسوبة، أُلقيت في توقيت متأخر ومدروس.


أما النسخة الخاصة بكانييه ويست من هذا النمط، فكانت أكثر صخباً وتوثيقاً؛ فبعد مقاطعته لخطاب قبول تايلور سويفت لجائزتها في حفل جوائز «VMA» عام 2009، واجه ويست ما وُصف بأنه من أعنف موجات التشهير والهجوم الجماهيري في مسيرته، إذ انسحب شركاؤه من جولته الغنائية، وباتت قدرته على إحياء حفلاته الخاصة موضع شك حقيقي.


اعتزل ويست في منفى اختياري في هاواي، مسجلاً أعماله في بيئة استوديو جماعية بعيداً عن أعين الجمهور، ليعود للظهور بعد أكثر من عام بألبوم My Beautiful Dark Twisted Fantasy وهو ألبوم لم يلتمس الصفح أو الاعتذار بقدر ما عالج الواقعة برمتها وفككها داخل النسيج الموسيقي ذاته، ليغدو لاحقاً وبإجماع واسع واحداً من أعظم ألبومات عصره.


أثبت الاستقبال النقدي للألبوم أمراً جوهرياً ومحدداً: وهو قدرته على النجاة من العواصف، بل وتحويل الجدل إلى أعمال تحصد أرفع درجات الإشادة الفنية. لم يكن ذلك المنفى مجرد انتظار سلبي، بل كان المساحة الخصبة التي صُنعت فيها مادة العودة، الموقوتة لتُطرح فقط حين تكون المرحلة الأكثر صخباً من الهجوم قد استنزفت نفسها بالكامل.


اتبعت جانيت جاكسون مساراً مشابهاً وإن كان أبطأ وأكثر حذراً في أعقاب حادثة العرض الفاصل في «السوبر بول» عام 2004، والتي تسببت في إدراج أغانيها على القوائم السوداء للمحطات الإذاعية لسنوات، وإشعال رد فعل محافظ ومتشدد من قطاع صناعة الموسيقى تجاوز بكثير ما واجهه شريكها في ذلك العرض. لم يكن طريق عودتها متمثلاً في دخول واحد مظفر وصاخب، بل كان تدريجياً عبر إصدارات أصغر حجماً ومسار تمهيدي أطول زمناً، لكن المنطق الجوهري ظل قائماً: الانسحاب، وترك العاصفة تهدأ، ثم العودة فقط حين يتشكل شغف حقيقي باستقبالها مجدداً.


ما يجمع بين هذه الحالات ليس طبيعة الخطأ ذاته فكتاب فوتوغرافي بطابع غير محتشم، ومقاطعة خطاب على الهواء مباشرة، وخلل في الملابس أثناء عرض حي، هي وقائع لا تكاد تقبل المقارنة، بل ما يربط بينها هو استراتيجية التوقيت؛ ففي كل حالة، بدا أن الفنان (أو فريقه) يدرك جيداً أن لموجات الهجوم الجماهيري «فترة نصف عمر» طبيعية تتلاشى بعدها، وأن الرد المبكر، سواء بالاعتذار في خضم العاصفة أو طرح أعمال جديدة في وقت لا يزال فيه الغضب مشتعلاً يؤدي في الغالب إلى إطالة أمد الجدل بدلاً من إخماده.


كانت الخطوة الأكثر فاعلية دوماً هي الصمت التام، يليه ظهور مدروس وموقوت ليصل تماماً في اللحظة التي بات فيها الجمهور مستعداً لإعادة النظر.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية لا تنجح دائماً؛ فليس كل فنان يلوذ بالصمت يجد في انتظاره عملاً بحجم «Rain» أو ألبوم ويست المعروف اختصاراً MBDTF فبعض موجات الهجوم والاستياء لا تنقشع تماماً، وبعض محاولات العودة تأتي أبكر مما ينبغي أو بعد فوات الأوان فلا تلتقط التحول في المزاج العام والثقافي.