ظننا أنها انتهت.. لماذا تعود الأقراص المدمجة إلى الواجهة؟

في زمن يمكن فيه الوصول إلى ملايين الأغاني خلال ثوانٍ، يبدو شراء قرص مدمج ووضعه في جهاز تشغيل خطوة إلى الوراء، لكن هذا بالضبط ما يحدث الآن.

رصد تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» عودة واضحة للأقراص المدمجة، أو «السي دي»، إلى واجهة الاستماع للموسيقى، بعد سنوات طويلة بدا فيها أنها دخلت مرحلة الانقراض أمام خدمات البث مثل «سبوتيفاي» و«أبل ميوزك».

المفارقة أن هذه العودة تأتي في وقت يشترك فيه أكثر من 800 مليون شخص حول العالم في خدمات بث الموسيقى، ومع ذلك، تقول متاجر كبرى إن البحث عن أجهزة تشغيل الأقراص عاد للارتفاع من جديد.

شركة «جون لويس» البريطانية قالت إن عمليات البحث عن مشغلات الأقراص المدمجة ارتفعت 96% منذ يوليو، وربطت جزءاً من هذا الصعود بالطلاب المتجهين إلى الجامعات، الذين يشترون أجهزة صغيرة لغرف السكن.

ونفدت بعض الأجهزة بالفعل من المتاجر الإلكترونية، من بينها جهاز «كروسلي فوييجر» بسعر 80 جنيهاً إسترلينياً، وجهاز «بيور كلاسيك سي-دي 6» بسعر 130 جنيهاً. وحتى مشغلات الأقراص المحمولة عادت إلى الواجهة، والأهم أن الأمر لا يقتصر على الأجهزة، فمبيعات الأقراص نفسها ترتفع أيضاً، وارتفعت مبيعات الأقراص المدمجة 16%، مقارنة بزيادة بلغت 2.4% فقط للفينيل (Vinyl) وهي مشغلات الأسطوانات الموسيقية الكبيرة التي تدور على منصة دائرية، وتقرأ الموسيقى بواسطة إبرة تمر فوق الأخاديد المحفورة على الأسطوانة.

وتقول سلسلة «إتش إم في» فتقول إن مبيعات الأقراص لديها ارتفعت 10% على أساس سنوي.

من أهم أسباب هذه العودة المفاجئة هو السعر، ففي بريطانيا، يمكن أن يبلغ سعر الأسطوانة نحو 35 جنيهاً إسترلينياً، بينما يباع القرص المدمج بنحو 12 جنيهاً فقط.

ويقول فيل هاليداي، المدير الإداري لـ«إتش إم في»، إن موسيقى البوب الكورية كانت من أكبر محركات هذا الانتعاش، مع فرق مثل «بي تي إس»، لكن الطلب يمتد أيضاً إلى فنانين مثل أوليفيا رودريغو وأريانا غراندي وأوليفيا دين.

ويقول توم مورغان-فريلاندَر، نائب رئيس تحرير مجلة «ستاف» التقنية، إنه لاحظ هذا التغير خلال العامين الماضيين، حيث يرى أن بعض المستهلكين يريدون الابتعاد قليلاً عن الهاتف، والحصول على صوت أفضل، وفي الوقت نفسه تجنب التكلفة المرتفعة التي تتطلبها أنظمة الفينيل.

بالنسبة لهؤلاء، شراء نظام كامل بنحو 150 جنيهاً إسترلينياً يحتوي على مشغل أقراص ومكبرات صوت يبدو أكثر منطقية من شراء جهاز فينيل ومكبرات منفصلة.

ويتجلى هذا التغيير بوضوح بين الشباب، ففي أحد فروع «إتش إم في» في لندن، اختارت فتاة تبلغ 14 عاماً ألبومين لدوا ليبا وألبوم «برات» لتشارلي إكس سي إكس، لتشغلها على جهاز قديم. وقالت إنها تفضل الأقراص لأنها أرخص، وأصغر حجماً من الفينيل، وتشعر بأن جودتها أفضل من الاستماع عبر الهاتف.

وفي المتجر نفسه، كان زائر يبلغ 27 عاماً قادماً من الرياض يشتري أعمالاً لمادونا وكايسي موسغريفز وتينا تيرنر. بالنسبة إليه، الاستماع إلى القرص يمنحه إحساساً مختلفاً، كأنه يستمع إلى عمل الفنان نفسه كقطعة متكاملة.

الاستماع عبر البث يجعل الموسيقى شبه بلا نهاية، حيث يمكن الانتقال بين عشرات الأغاني في دقائق، وتخطي أي مقطع، وترك الخوارزمية تقترح التالي، أما سحر القرص يفرض طقساً أبطأ نختار فيه ألبوماً ونضعه في المشغل ونسمعه من البداية إلى النهاية.

وعودة الأقراص ليست حالة منفصلة، وإنما جزء من موجة أوسع لإحياء التقنيات القديمة، فقد عاد الفينيل قبل سنوات، كما شهدت أشرطة الكاسيت انتعاشاً أيضاً، وحتى سماعات الأذن السلكية بدأت تظهر مجدداً بدلاً من السماعات اللاسلكية.

وترى كاترينا ميلز من «جون لويس» أن عودة الفينيل أعادت شهية المستهلكين للموسيقى المادية، وأن هذا الاهتمام بدأ ينتقل الآن إلى الأقراص المدمجة.

لكن بعض الخبراء يرون أن المسألة تتعلق أيضاً بالصورة والهوية، فالاستراتيجي أليكسي غانر يصف الظاهرة بأنها نوع من «الاستعراض السمعي»، أي أن حمل مشغل أقراص محمول وسماعات سلكية لا يتعلق بالصوت فقط، بل يرسل أيضاً رسالة عن الذوق والهوية الثقافية.

بحسب غانر، الوضع الطبيعي اليوم هو منصات البث والصوت اللاسلكي والهواتف المتشابهة، ولذلك تصبح العودة إلى القرص أو السلك نوعاً صغيراً من التمرد على التجربة الرقمية الموحدة.

وتتفق معه جاي ناي فيليبس، التي تكتب عن اتجاهات الجيل «زد»، وترى أن وفرة الموسيقى أصبحت نفسها سبباً في جاذبية الشكل القديم، حين تصبح كل الأغاني متاحة دائماً، يصبح اختيار ألبوم واحد والاستماع إليه كاملاً تجربة مختلفة.