فرجينيا وولف هل كتبت واقفة؟

طلبت هذه الطاولة مرتفعة لتكتب عليها واقفة
طلبت هذه الطاولة مرتفعة لتكتب عليها واقفة
رسم ابن أختها على طاولتها آلهة.. التاريخ الأغريقية
رسم ابن أختها على طاولتها آلهة.. التاريخ الأغريقية
إحدى طاولات فرجينيا
إحدى طاولات فرجينيا
طاولة أخرى في حديقتها
طاولة أخرى في حديقتها
الطاولة في جامعة ديوك الأميركية
الطاولة في جامعة ديوك الأميركية
مع اللوح الذي كتبت عليه
مع اللوح الذي كتبت عليه

ثمة طاولة مرتفعة من خشب البلوط، ذات سطح مائل، تقف اليوم في مكتبة جامعة ديوك بولاية كارولينا الشمالية الأميركية، وقد وُضعت فوق منصة تعيد إليها ارتفاعاً فقدته قبل عقود.. هذه الطاولة تخص فرجينيا وولف، وهي واحدة من الأشياء القليلة التي بقيت شاهدة على الطريقة التي بدأت بها واحدة من أهم كاتبات القرن العشرين حياتها مع الكتابة واقفة.. وقَلَّ من يعرف أنها كانت تكتب في فترة ما واقفة.

مكتب للكتابة وقوفاً

طلبت فرجينيا هذا المكتب وهي في سن المراهقة، وصُمم خصيصاً للكتابة وقوفاً.. ففي شبابها، كانت تشاهد أختها فانيسا بيل، الرسامة والمصممة البريطانية المعروفة، تعمل واقفة أمام حامل اللوحة، وهي تقترب من عملها وتبتعد عنه.. بينما أرادت فرجينيا للكتابة هيئة جسدية تقارب هيئة الرسم، وهكذا أصبحت الأختان تعملان واقفتين، فانيسا أمام اللوحة، وفرجينيا أمام الصفحة.. وتشير دراسات عن عادات وولف الكتابية إلى أنها كانت تقضي في تلك المرحلة نحو ساعتين ونصف صباحاً أمام مكتبها المرتفع.  

لكن هذا الطقس الكتابي وهي تكتب واقفة تنتمي إلى مرحلة من حياتها فقط، وليست الطريقة التي كتبت بها طوال عمرها، فقد تغيرت طاولاتها كما تغيرت علاقتها بالكتابة ومكانها وطريقتها في العمل.

رسم آلهة التاريخ

المكتب المرتفع نفسه له سيرة تكاد تكون مستقلة عن صاحبته، حيث رافق فرجينيا إلى عدد من منازلها، حتى أعطته عام 1929م إلى ابن أختها الرسامة، الفنان وكاتب سيرتها "كوينتن بيل"، ليرسم بيل على سطحه المائل "كليو" آلهة التاريخ الإغريقية، أو ملهمة التاريخ في الأساطير الإغريقية.. لكن وفي وقت لاحق قامت زوجته آن أوليفييه بيل، التي تولت تحرير يوميات فرجينيا وولف فيما بعد، بقطع نحو ست بوصات من أرجل المكتب، فتحول المكتب الذي صُنع للكتابة واقفة إلى مكتب للجلوس.. وحين وصل المكتب إلى جامعة ديوك بالولايات المتحدة الأميركية، وبعد سلسلة من الإهداءات العائلية إلى بائع التحف والكتب كولين فرانكلين، لتشتري منه الناشطة الأميركية ليزا أونجر باسكين، لتضمه إلى مجموعاتها الخاصة والكثيرة التي تعني بتاريخ المرأة، حتى عام 2015م، قامت جامعة ديوك بالاستحواذ على مجموعة ليزا واشترته بالكامل، مع آلاف المخطوطات النادرة والقطع الأثرية، وكان من ضمنها مكتب فرجينيا.. وضعته مكتبة الجامعة لتعرضه مع مجموعات ليزا، وفوق منصة لتعيده إلى ارتفاعه الأصلي تقريباً.

سيرة ذاتية أخرى

ولا بد من الإشارة، أنه أثناء قراءتي إلى السيرة الذاتية لفرجينيا وولف والتي كتبها ابن أختها كونتين بيل، يبدو واضحاً أنه استعان برسائلها ومذكراتها الشخصية التي لم تكن متاحة للعامة حينها، ليكتب الكثير من التفاصيل الممتعة حول عالمها وطريقة كتابتها، وقد نال عليها جائزة أدبية مرموقة "جائزة جيمس تيت بلاك التذكارية" من جامعة أدنبرة، حيث يؤكد فيها أن خالته فرجينيا هجرت عادة الكتابة واقفة منذ سنوات، وفي مراحل لاحقة أصبحت وضعيتها المعتادة للكتابة جلوساً على كرسي مريح في غرفة عملها في كوخها الصغير، بحديقة منزلها في ساسكس، كانت هناك طاولة خشبية كبيرة، تتراكم فوقها الأوراق والرسائل والمخطوطات وزجاجات الحبر، لكنها نادراً ما كانت تجلس إليها، وبخاصة عندما تكتب رواياتها في الصباح، فكان يصف جلوسها على كرسي منخفض، وكيف تضع على ركبتيها لوحاً كبيراً من الخشب ثُبتت عليه محبرة، وفوقه دفتراً كبيراً من الورق غير المسطر، وكانت تغلف دفاترها بنفسها بأوراق ملونة. هناك، بالقلم والحبر، فتكتب المسودة الأولى من رواياتها، وبعد ذلك تنتقل إلى الآلة الكاتبة، فتعيد كتابة ما أنجزته وتراجعه أثناء الطباعة، ثم تستمر المراجعات اللاحقة على الآلة نفسها..

طقوس مختلفة

وهكذا ابتعدت فرجينيا شيئاً فشيئاً عن المكتب بالمعنى التقليدي. ففي كوخها الصغير وعندما يدفعها برد الشتاء إلى الداخل كانت تعود إلى كرسيها. لقد تغير السطح الذي تستقر عليه الصفحة أكثر من مرة، من مكتب مرتفع، وطاولات مختلفة، ثم لوح فوق الركبتين، ودفتر، وآلة كاتبة، وكوخ بعيد في الحديقة.. وقد أصبحت هذه الأسطح المتعددة نفسها فيما بعد موضوعاً لدراسات تناولت علاقتها بالمكان والكتابة.

لذلك، ربما لا تكمن غرابة فرجينيا وولف في أنها كانت تكتب واقفة، بقدر ما تكمن في أنها لم تتمسك بطقس واحد للكتابة، في شبابها وقفت أمام الصفحة كما وقفت فانيسا أمام لوحتها، ثم جلست وقرّبت الصفحة إلى جسدها، وكتبت على ركبتيها، وانتقلت بين الغرفة والكوخ والآلة الكاتبة، وتبدلت الطاولات، وتبدلت معها هيئة الكاتبة أمام الصفحة، حتى صار لكل مرحلة من حياتها تقريباً مكانها وطريقتها في الكتابة.