تغيّر أدب الكاتب الروسي أنطون تشيخوف مع تقدّم مرضه، وظهرت مسافة واضحة بين كتاباته الأولى الساخرة والسريعة، التي كان ينشرها في الصحف والمجلات مقابل المال، ليساعد أسرته ويغطي نفقات دراسته، وبين أعماله اللاحقة.. فمن يقرأ بدايات تشيخوف يجد حبكات أكثر مباشرة، ومواقف هزلية ساخرة، ونقداً اجتماعياً سطحياً، كما في "موت موظف" و"البدين والنحيف" و"الحرباء"..
ومع تقدم مرض السل، وإصابته بالنزيف الرئوي الحاد، وهو لا يزال شاباً، تغيرت نظرته للحياة، خاصة أنه طبيب يراقب جسده في الوقت ذاته، ويتأمل هشاشة عمره مع الوقت، فكان يتعامل مع مرضاه بتعاطف كبير، وباهتمام نفسي أوسع، وشعر بمدى حاجتهم إلى الفهم والرحمة، ثم سافر للعلاج في مصحة، حيث الغابات السوداء، الواقعة اليوم في ألمانيا قرب الحدود الفرنسية.. وتأملاته وعزلته هناك.
كتب مسرحياته وقصصه، فغلب عليه العمق والتساؤلات الوجودية حول الحياة، وجدواها، وأصبح يعتمد على التفاصيل الدقيقة الصامتة وما لا يقال، أكثر مما يُكتب، فبدت أعماله مختزلة وممتلئة بالشجن الممتزج بالرضا، وأصبحت قصصه ومسرحياته أكثر عمقاً.. وهي من أجمل وأقسى المفارقات في تاريخ الإبداع الإنساني، في المواجهة المباشرة مع الفناء، وتجرد الإنسان من القشور والسطحية، وهي تُجبر الأديب على التخلي عن التكلف والالتفات إلى الجوهري فقط..
ففي أعماله المتأخرة، أصبح تشيخوف يلتقط عظمة التفاصيل البسيطة، مثل شرب الشاي، وتأمل البحر، وحديقة تتغير، وقدسية الصمت بين شخصين. وتبدو المسافة واسعة بين هذه الكتابة وبين قصص البدايات الهزلية السريعة، وكأن الاقتراب من فكرة الفناء دفعه إلى الالتفات أكثر إلى الجوهري في حياة الإنسان.
ومن أجمل الأمثلة قصته "السيدة صاحبة الكلب الصغير"، المنشورة عام 1899، قبل وفاته بخمس سنوات، والتي كتبها في مرحلته الأخيرة في يالطا، مكان علاجه، وتدور أحداثها جزئياً في المكان ذاته، وتفكك الروتين والزيف الاجتماعي من خلال رجل وامرأة يكتشفان أنهما يعيشان حياتين، حياة ظاهرة تحكمها الأعراف والمجاملات، وحياة سرية حقيقية يشعران فيها بحقيقة وجودهما.. وحتى البحر في القصة يبدو أبقى من الإنسان، مستمراً قبله وبعده..
وفي "الجناح رقم 6" و"عن الحب"، ثم مسرحياته الكبرى مثل "الخال فانيا" و"الأخوات الثلاث" و"بستان الكرز"، بلغ هذا النضج ذروته حتى وفاته بالسل عام 1904، وهو في الرابعة والأربعين.. وهنا تكمن واحدة من أقسى مفارقات تجربته، أنه كلما أصبح عمر تشيخوف أقصر، أصبحت نظرته إلى الحياة أعمق.
