ثمة سرّ في ملحمة "الأوديسة" الإغريقية لهوميروس، وهذا السر تحديداً هو النقطة التي تجعلها حيّة بعد ما يقارب ثلاثة آلاف عام، فكلما ظننا أننا أمسكنا بمعناها وسرّها، أفلتت إلى معنى آخر، وخاصة الآن مع عرض فيلم "الأوديسة" للمخرج الأميركي كريستوفر نولان، الذي تولّى كتابة السيناريو أيضاً..
ولعل السر الأعمق، بعد مشاهدتي الفيلم في إحدى صالات السينما بدبي، هو قدرة الملحمة الاستثنائية على النجاح في تجربة بصرية كاملة، من خلال كاميرات "آي ماكس"، وكأن السينما تواصل اليوم ما بدأته ذاكرة بشرية شفوية قبل قرون طويلة، من صناعة قصة يبدو فيها الإنسان أضعف الموجودات جسداً، ثم تمنحه ما يجعله قادراً على العودة من عالم الآلهة والوحوش والموتى، عن طريق العقل والدهاء والذاكرة والحب..
اعتمد المخرج على تداخل الأزمنة وتعدد الساردين، يأتي سارد ويغيب آخر، ويعود الماضي في ارتجاعات متكررة، أو ما يُعرف في لغة السينما بـ"الفلاش باك". وأعتقد أن هذه المحاكاة للبنية المعقدة للملحمة الأصلية من أجمل عناصر الفيلم، خاصة مع الموسيقى والمؤثرات الصوتية، ونحن نسمع وقع الأقدام، وإغلاق الأبواب، والرياح، والأمواج، والوحوش، وأصوات الممثلين.. وكلها توجه مشاعرنا كمشاهدين نحو الخوف والترقب والحزن، وفي الملحمة الأصلية نفسها يتحول أوديسيوس في بعض الأناشيد إلى راوٍ لحكايته، وكأننا أمام شاعر يروي عن بطل، ثم يترك للبطل أن يروي نفسه..
واستوقفني في "الأوديسة" باب آخر، هو الإنسان في مواجهة ما يفوقه قوةً.. أمام أوديسيوس آلهة وعمالقة ووحوش وساحرات وبحر يستطيع أن يمحو الإنسان في لحظة.. ومن أبرز هذه المواجهات لقاؤه بالعملاق بوليفيموس، ابن بوسيدون، ذي العين الواحدة، الذي يعيش خارج العقل الاجتماعي، في كهفه مع قطيعه، ويمتلك قوة جسدية هائلة ومخيفة، لكنها قوة بلا تدبير، وجسد ضخم أمام رجل لا يملك في تلك اللحظة إلا الحيلة واللغة والصبر..
أوديسيوس ملك جزيرة إيثاكا، وأحد أبرز أبطال حرب طروادة، ارتبط اسمه بالدهاء والحيلة وبفكرة حصان طروادة في التقليد الإغريقي.. وهنا خلال رحلة عودته التي استغرقت عشر سنوات، ظل الحنين إلى زوجته "بينيلوبي" وابنه "تيليماخوس" وجزيرته إيثاكا يشدّه إلى حيث الوطن، رغم كل ما واجهه من إغراءات وعوالم.. ومن أجمل مفارقات مشهد بوليفيموس أن أوديسيوس ينتصر عليه حتى بالاسم، حين يسمي نفسه أنا "لا أحد"، لتصبح اللغة نفسها سلاحاً، وحتى أثناء نزوله إلى عالم الموتى، فأراه قلب الملحمة أكثر من الوحوش والعجائب. فبعد أن جاب البحر بحثاً عن طريق العودة، يضطر إلى عبور الذاكرة، فالموتى يعرفون ما لا يعرفه الأحياء. هناك يرى أمه، ويلتقي أخيل وأغاممنون وغيرهما من الراحلين المرتبطين بحرب طروادة.
وكأن هوميروس يقول إن العودة إلى البيت لا تمر بالجغرافيا وحدها، فلا بد للإنسان أن يمر بمن فقدهم، وبما حدث قبله، وبالموت نفسه، قبل أن يعرف إلى أين يعود، ثم يصبح السحر أكثر إثارة عندما يصل أوديسيوس إلى جزيرة الساحرة سيرسي، التي تحول بعض رجاله إلى خنازير، وحين يتجه إليها يظهر له الإله هيرميس، رسول الآلهة، ويمنحه نبتة سحرية تُعرف باسم "مولي" تحميه من سحرها. يأكل أوديسيوس ما تقدمه له سيرسي من طعام فلا تستطيع تحويله كزملاءه، فيجبرها على إعادة رجاله إلى هيئتهم البشرية.. ولعل تلك النبتة نفسها تحمل شيئاً من أسرار الأوديسة، فالنبات الغامض تتدخل به الآلهة في اللحظة التي يكاد فيها العقل البشري يعجز أمام السحر.. والمفارقة بين الدين والعقل، أو الإيمان والمنطق..
وحين أكملوا رحلتهم ومروا بالقرب من جزيرة صخرية عليها كائنات تبدو كحوريات البحر، تغوي البحارة بأصواتها، لم يسد أوديسيوس أذنيه بالشمع مثل رجاله، بل طلب منهم أن يربطوه إلى سارية السفينة، وأمرهم ألا يفكوه مهما صرخ أو توسل.. أراد أن يسمع، وأن يعرف، وأن ينجو في الوقت نفسه. وهنا تكمن واحدة من أعمق صفاته، وفضول لا يقل عن رغبته في العودة.
وهذه عندي واحدة من أسرار الملحمة، فكلما اتسع عالمها الأسطوري، صغرت رغبة بطلها.. يرى الموتى والمعجزات والوحوش، ويخالط الآلهة، ويدخل كهوف العمالقة، ويواجه البحر، وتعرض عليه حياة تتجاوز حياة البشر، وفي النهاية يريد الوصول إلى موطنه إيثاكا، وإلى بيته وبينيلوبي.
لقيتُ رؤية كريستوفر نولان السينمائية اهتماماً نقدياً واسعاً، فيما أثارت بعض خياراته في التعامل مع النص الهوميري نقاشاً لدى المتخصصين في الأدب الكلاسيكي، وهم ينقدون العمل، خاصة عند مقارنة ضرورات الحبكة السينمائية ببنية الملحمة الأصلية، لكنهم تجاهلوا أن الأصل الذي خرج منه الفيلم، عي قصيدة "الأوديسة"، كملحمة شعرية كاملة تتألف من نحو اثني عشر ألف بيت، موزعة على أربعة وعشرين نشيداً، وصيغت باليونانية الهوميرية وبالوزن السداسي. لكنها قصيدة تحكي، فيها الحوار والوصف والاسترجاع والحكاية داخل الحكاية، ولذلك تحمل كثيراً من الوظائف التي نربطها اليوم بفن السرد والرواية.
ومع انتقالها إلى اللغات الأخرى، تعددت أشكالها أيضاً. بعض المترجمين نقلوها شعراً، وبعضهم اختار النثر، وبعضهم حاول الوقوف في منطقة بين الاثنين. وهكذا يستطيع قارئ اليوم أن يدخل "الأوديسة" من أبواب مختلفة، مثلما دخلها نولان من باب السينما.. حتى لغة هوميروس نفسها تحمل سراً آخر. فاليونانية الهوميرية لغة شعرية قديمة تشكلت من طبقات ولهجات وصيغ موروثة من تقليد شفهي طويل، وتختلف كثيراً عن اللغة اليونانية الحديثة، ولذلك يحتاج القارئ اليوناني المعاصر إلى دراسة وشروح أو ترجمة حديثة ليقرأها بسهولة.
وربما هنا يكمن أجمل أسرار "الأوديسة"، أن نصاً خرج من عالم شفهي بعيد، واستقر شعراً، وعبر آلاف السنين بين اللغات والترجمات والفنون، يستطيع في كل عصر أن يتخذ جسداً جديداً، بينما يبقى أوديسيوس في داخله يفعل الشيء نفسه منذ ثلاثة آلاف عام تقريباً، يحاول العودة إلى البيت.

