يبقى سؤال "ماذا نقرأ؟" من أكثر الأسئلة حضوراً بين القراء، سواء في سنوات الدراسة الأولى أو بعد التخرج أو حتى لدى أصحاب الخبرة الطويلة في القراءة.. وفي ظل صدور آلاف الكتب سنوياً، تزداد الحاجة إلى أدلة تساعد القارئ على اختيار الكتب الأكثر تأثيراً، وتجنب إهدار الوقت في قراءات استهلاكية لا تضيف قيمة حقيقية.
نستعرض اليوم واحداً من أشهر الأدلة القرائية في القرن العشرين، وهو كتاب "دليل القارئ إلى الثقافة الجادة"، الذي أعدّه الباحث الأمريكي "آرثر والدهورن"، وهو أكاديمي، وناقد أدبي بارز، تميزت مسيرته المهنية كأستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة نيويورك، تكمن القيمة الأساسية أنه سخّرَ أدواته الأكاديمية الصارمة لخدمة المعرفة، سواء لمن في الجامعة أو المنزل، مما جعل كتبه تُترجم وتنتقل خارج الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة باللغة العربية، عبر هيئة ثقافية رسمية، كالمشروع القومي للترجمة في مصر.
هذا الدليل صدر لأول مرة عام 1932 لكنه قد أصبح كتابا متكاملا عام 1947، وصدر في طبعة شعبية ليكون مرجعا للقراء والكتاب والمكتبات العامة والخاصة. ثم تطور الكتاب في طبعاته اللاحقة التي كانت تراجع وتمحص كل أربع سنوات على يد مجموعة من المفكرين والكتاب والنقاد وبذلك وجد مكانه في المكتبات العامة بجوار المعاجم والقواميس ودوائر المعارف.
يتكون الدليل من خمسة أقسام عامة بالإضافة إلى قسم خاص بالمراجع وتتناول الأقسام الخمسة على التوالي: فترات تاريخية، والثقافة الإقليمية، وثقافة الأقليات، وأهم أنواع الكتب الأدبية، والإنسانية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم التطبيقية.. كمنهج بقراءة تقود إلى خطى أفواج متزايدة من الناس لتذوق الكتب العظيمة والمفيدة من أجل فهم أفضل لأنفسنا والمعالم حولنا.
كما يضم الدليل ترشيحات لأمهات الكتب العالمية وبكل اللغات، في الفلسفة، والأدب، والمسرح، والأديان، مع مراجعات مختصرة لكل كتاب، بما يساعد القارئ على بناء مسار قرائي متدرج، قائم على الأعمال التي تركت أثراً في الفكر الإنساني.
كما يقترح قوائم قراءة تناسب مراحل عمرية مختلفة، تشمل المراهقين، وقبل الالتحاق بالجامعة، وطلاب الجامعات، والموظفين، والمتقاعدين، وأثناء العطلات، إن كانت صيفية، أو إجازة نهاية الأسبوع، انطلاقاً من اختلاف الاحتياجات المعرفية باختلاف مراحل الحياة.
كما يتناول العلاقة بين القارئ والكتب الكبرى، موضحاً أن صعوبة بعض المؤلفات لا تعود بالضرورة إلى تعقيدها، بل إلى حاجة القارئ إلى خلفية معرفية تسبقها، وهو ما يجعل كثيراً من الكتب أكثر وضوحاً ومتعة عند العودة إليها بعد سنوات من القراءة.
ويرى مختصون أن قيمة هذا النوع من الأدلة لا تكمن في تقديم قوائم للقراءة فحسب، وإنما في رسم خريطة معرفية تساعد القارئ على تنظيم مكتبته، واستثمار سنوات القراءة في الأعمال الأكثر تأثيراً في تاريخ الفكر والثقافة.

