ظهرت مسرحية "هاملت" بين عامي 1599 و1601م، بقلم "وليام شكسبير"، ودارت أحداثها في البلاط الدنماركي حول الأمير الشاب الذي يواجه مقتل والده الملك، وزواج أمه من عمه، وصراعاً داخلياً يمزج العدالة بالحيرة.. ومن تلك الحكاية خرجت شخصية تجاوزت حدود الأدب، لتصبح رمزاً عالمياً للتأمل في السلطة، والضمير، والانتقام، ومعنى الوجود..
وبطبيعة الحال تعثر الفنون في كل عصر، على طريق جديد نحو مسرحية هاملت، أو فكرة هاملت، والجملة الشهيرة فيها: "تكون أو لا تكون" ليفتح المسرح ستارته عليها، وتستعيدها السينما بلغتها، وتعيد الأوبرا صياغة مأساتها بالموسيقى، وتمنحها الرواية حياة أخرى، ثم تمتد إلى التلفزيون، والرسوم المتحركة، والألعاب الرقمية.. لكن منذ أكثر من أربعة قرون، لا تزال مسرحية هاملت تحديداً، تعود إلى الخشبة والشاشة، وكأنها كُتبت لكل زمن من جديد.
أيّ منذ عام 1623م، بعد أن جاءت الأعمال الكاملة لشكسبير بعد وفاته بـ 22 عاماً، الشهيرة بمجلد أو طبعة "الفوليو الأول"، ومنها انطلقت إلى لغات العالم، لتبدأ رحلة اقتباس طويلة ما تزال مستمرة حتى اليوم.
كانت هاملت طوال القرون السابقة وهو وسيط جديد في الأعمال المختلفة، لإعادة اكتشافها في كل عصر، ويخرج الطرح مختلفاً لكل الزمن، وبالتالي الإجابة، لنجد هاملت في الأوبرا منذ القرن الثامن عشر، ثم تحولت إلى أفلام صامتة مع بدايات السينما، وأصبحت في عام 1948 أول نص شكسبيري يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم من خلال نسخة لورنس أوليفييه، قبل أن يقدمها ميل غيبسون، ثم كينيث براناه، في نسخة كاملة تقريبًا للنص الأصلي، امتدت لأكثر من أربع ساعات..
ولم تتوقف الرحلة عند الاقتباس المباشر، فالكثير من الأعمال العالمية استلهمت بُنية هاملت وشخصياتها وصراعاتها، وفي مقدمتها فيلم الأسد الملك عام 1994، الذي أعاد تقديم الحكاية لجمهور جديد عبر عالم الرسوم المتحركة، لتثبت المسرحية قدرتها على العبور بين الثقافات والأجيال من دون أن تفقد جوهرها.
أما سرّ هذا الامتداد لا يَكْمُن في الحكاية وحدها، بل في الأسئلة التي تحملها، كل جيل يقرأ هاملت بطريقة مختلفة، فيراها مرة مسرحية عن السياسة، ومرة عن الأخلاق، ومرة عن النفس الإنسانية، ومرة عن الإنسان حين يقف بين الفعل والتردد. ولهذا لم تبق نصًا كلاسيكياً محفوظاً في المكتبات، لتتحول جميعها مادة حيّة يعيد الفنانون تشكيلها باستمرار.
ومن يقرأ هاملت اليوم، يلاحظ عمق الشخصية لهاملت، وشمولية الموضوعات التي تناقش معنى الوجود والموت، مع عرض الخيانة والصداقة والعدالة والسياسة، بجانب المرونة التي أبدتها المسرحية في التأويل، وقبولها الإسقاطات السياسية والاجتماعية، كلها تبدو صالحة للتأويل بمرونة، والتحليل النفسي والفلسفي، بحيث أنها تتكيف بسهولة مع الثقافات المختلفة، ليبدو النص عبقرياً خاصة مع الحوارات الغنية والمجازات البليغة، والحبكة الدرامية المؤثرة والمثيرة، لتترك مساحة واسعة للمخرج والممثل.
وتشير الإحصاءات الفنية إلى عشرات الأفلام الروائية المباشرة، وآلاف العروض المسرحية، وعشرات الأوبرات، ومئات الاقتباسات التلفزيونية والإذاعية، إضافة إلى حضورها في الأدب والرسوم المتحركة والألعاب.. وبين كل هذه الأعمال، بقيت هاملت النص الأدبي الأكثر قدرة على إنتاج حياة جديدة، حتى أصبحت المسرحية الأكثر اقتباسًا في تاريخ الأدب العالمي.

