يستمد مصممو الأزياء من الفن التشكيلي أكثر من الألوان والخطوط، فبين اللوحة والثوب مفردات مشتركة تبدأ بالتكوين والمساحة واللون، وتصل إلى التعبير عن العصر والهوية، ليضيف الزيّ إلى هذه المفردات عنصراً آخر، وهو الحركة، يحمل الإنسان العمل على جسده، وينقله معه إلى الشارع، فتتسع دائرة الفن من قاعات العرض إلى الحياة اليومية.
ايف سان لوران وفنون التشكيل
كان البدء في ستينيات القرن العشرين، حين منح مصمم الأزياء إيف سان لوران هذه العلاقة حضوراً استثنائياً، ففي عام 1965م حوّل أعمال الفنان والرسام الهولندي "بيت موندريان" إلى فساتين صنعت من قطع منفصلة من الصوف الملون، ثم امتد حواره واقتباسه إلى أعمال الفنان "توم ويسلمان" و"بيكاسو" و"ماتيس" و"فان جوخ".. وغيرهم، حتى وثّق معرضٌ لاحق من 47 تصميماً ارتبطت بأعمال 33 فناناً..
ومع ايف سان لوران، أستطيع أن أقول اكتسبت تلك اللوحات المعروفة حياة أخرى، بعد أن انتقلت من المتحف إلى الجسد، ومن جمهور المتحف إلى جمهور الموضة والثقافة الشعبية، خاصة أن هذه الأفكار من الاقتباسات أعادت صياغة الوعي الاجتماعي حول الفن، وحطمت الحواجز الطبقية المعرفية، وغيّرت توثيق التاريخ الإنساني، خاصة بعد تحقيقه أرباحاً تجارية ساحقة، صانعاً إمبراطورية ضخمة مع الزيّ الفني، لتسمى فساتين ايف سان لوران بـ "فساتين موندريان"، لتحمل هذه العلاقة بعداً فكرياً يرتبط بما يمكن تسميته ديمقراطية الثقافة، فالصورة الفنية حين تدخل الأزياء والمجلات والواجهات والشارع، تتجاوز جمهورها المتخصص، وتصبح جزءاً من الذاكرة البصرية العامة..
في المقابل منحت اللوحة الثوب قيمة معنوية، تتجاوز موسمه، فصاحبه يقتني معه قصة، وفناناً، ومرحلة من تاريخ الفن الذي كان حكراً على نخبة مثقفة تمتلك المال والوقت لزيارة المعارض الفنية، حتى نقلها المصممون إلى الأزياء، ثم بعد ذلك إلى الحافلات والنقل العام والمقاهي.. وأصبح المواطن البسيط يتعرف على فكر الفنانين مثل موندريان وبيكاسو وفان جوخ وغيرهم، ويتفاعل معه، ليتم تحرير المعرفة من برجها العاجي إلى الشارع.
الفن في مواجهة الاستهلاك
وفي هذا الإطار، وفي عصر الموضة السريعة التي تموت بسرعة، منحت اللوحة الفنية لقطع الملابس عمقاً زمنياً يربطها بالتاريخ والخلود، وليس لمجرد التباهي الاجتماعي والاستهلاكي، ومن الفلسفات الحديثة أن نرى الأزياء المستوحاة من الفن، المنتقية لقصة، أو تاريخ، أو فكرة فلسفية فنية، هي وسيلة لتقليل الهدر، لأن الإنسان يحتفظ بالقطعة الفنية ولا يرميها مع تغير صيحات الموضة، ومن هنا تظهر فلسفة الاستدامة، أو فكرة الاستدامة الثقافية في مواجهة الإيقاع السريع للاستهلاك، تبقى القطعة المحملة بحرفة وذاكرة ومرجع فني، تملك أسبابها الإضافية للبقاء والاقتناء والترميم والتوريث، ومن الممكن أن تجعل الحوارات اليومية حول الملابس تدور حول المعنى، وليس السعر أو الماركة.. بل من الممكن أن يتحول الثوب إلى أرشيف صغير يحتفظ باللون والتقنية والحرفة والبيئة التي خرج منها. وهو تغيير لسلوك المجتمع نحو الأفضل، بمنحه قيمة معنوية.
في العالم العربي وفن الكولاج
وفي العالم العربي تكتسب الفكرة طبقات أوسع، لأن المادة البصرية تمتد من اللوحة إلى الخط العربي والزخرفة والعمارة والنسيج والسجاد والتطريز، ففي بيروت مثلاً تأسس أستوديو على يد المصممتين "هدى بارودي" و"ماريا حبري"، لتقدما تجربة لافتة في جمع الأقمشة المنسوجة يدوياً، والسجاد القديم، والتطريزات التراثية من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ودمجها معاً لإنتاج قطع أزياء عصرية فريدة تُعرض في المتاحف والمعارض الفنية كلوحات قماشية متحركة.. وتلتقي فلسفة الكولاج بحفظ الحرفة والذاكرة المادية للمنطقة.
إيلي صعب وفن العمارة الإسلامية
ويذهب إيلي صعب إلى مصدر آخر، ففي مجموعاته تتحول مرجعيات فنية وثقافية إلى بناء لوني وزخرفي على الثوب، مترجماً التشكيل الإسلامي والهندسة المعمارية الشرقية إلى فساتين، ففي العديد من مجموعاته، نجد زخارفاً من القصور الأندلسية والدمشقية، تتحول إلى تطريزات ثلاثية الأبعاد لتنبض بالحياة من جديد، وهذه المرة على الأقمشة والملبوسات.
العباءة وفن الخط العربي
وفي الإمارات، يجد هذا الحوار أرضاً خصبة في الحروفية العربية والزخارف والعباءة بوصفها مساحة بصرية معاصرة، فالخط العربي، بفنونه وأشكاله، والذي استقر قروناً في المخطوط والعمارة، قابلاً اليوم لأن ينتقل إلى النسيج ويواصل حياته بصيغة جديدة.. خاصة مع تأثير أعمال الفنان عبدالقادر الريّس، على تصاميم العباءات والأزياء الجاهزة، فالعديد من المصممات الإماراتيات الشابات يعتمدن على طباعة الحروف التجريدية المتداخلة والمنحنيات الانسيابية للخط العربي على الحرير والأورجانزا، محوّلات الزي اليومي إلى قطعة فنية تحمل هوية بصرية وفلسفية عميقة.
وهكذا يصنع التقاء الفن والأزياء تبادلاً للذاكرة والخلود، ويمنح الفنُ الثوب معنى يتجاوز الموسم، ويمنح الثوبُ الفنَ جسداً متحركاً، فتغادر اللوحة الجدار، وتغادر الحرفة صندوق التراث، وتمشي الذاكرة البصرية في الشارع العام.




