التراث المحلي رافد للهوية الثقافية وفنونها المعاصرة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يضطلع بحفظ التراث المادي والشفهي وغير المادي في إمارة دبي طيف من المؤسسات والأفراد والمتخصصين في هذا المجال. وتنتظم هذه الجهود الفردية والمؤسسية عبر العديد من المبادرات الرائدة.

ويمكن الإشارة أيضاً إلى حضور استثنائي للعديد من التجارب الثقافية والفعاليات الفنية التي تحتفي بالتراث وجهود توثيقه، وتسهم في هذا المضمار. وقد توجت هذه الجهود بتسجيل خور دبي والمناطق التاريخية المحيطة به في لائحة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو خلال عام 2014. إلى جانب ترميم أكثر من 250 مبنى تاريخياً في الفترة ما بين 1991م- 2020م.

وأكدت منى فيصل القرق، المدير التنفيذي لقطاع الثقافة والتراث في هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، حرص الهيئة على حفظ إرث الأجداد وتراث دبي الثقافي من خلال تحفيز أبناء المجتمع على استكشاف كنوزه وروائعه، ما يساهم في تعزيز الهوية الوطنية في نفوسهم، وهو ما يتناغم مع مسؤوليات الهيئة الثقافية الهادفة إلى صون التراث المحلي وتعزيز حضوره على الخريطة العالمية.

وأضافت القرق: تسعى الهيئة عبر أصولها التراثية والتاريخية إلى توطيد علاقة الجمهور بالتراث المادي وغير المادي، وهو ما يتجلى في متحف الشندغة، أكبر متحف تراثي في الإمارات، الذي يشكل محطة بارزة في مسيرة دبي، بفضل ما يقدمه من مسارات استثنائية تأخذ الزوار في رحلة ممتعة يتنقلون خلالها بين نحو 22 جناحاً موزعة على أكثر من 80 بيتاً تحتضن تاريخ والدولة وثقافتها، وتقدمها للزوار عبر تشكيلة متنوعة من المقتنيات والمعروضات والأفلام والصور الفوتوغرافية القديمة، التي ساهم في تقديمها أكثر من 100 شخص من أفراد المجتمع المحلي.

وأشارت إلى جهود الهيئة الرامية إلى رفع مستوى الوعي بأهمية التراث وضرورة المحافظة عليه، وذلك من خلال ما تقدمه من تجارب ثقافية وفعاليات متنوعة ضمن مركز تراث للحرف اليدوية التقليدية، الذراع التعليمية لمتحف الشندغة الذي يقدم سلسلة من ورش العمل المتخصصة في الحرف اليدوية، إلى جانب «برنامج متحف الشندغة العائلي» الهادف إلى التعريف بالتراث البحري في دبي، وكذلك قرية حتا التراثية التي تشكل مركزاً تاريخياً في منطقة حتا، وتحتضن سنوياً فعاليات «ليالي حتا الثقافية» الهادفة إلى تمكين الجمهور من التعرف على تفاصيل منطقة حتا وعاداتها وتقاليدها وإمكاناتها التاريخية والطبيعية والثقافية.

4 عقود
وأكد المهندس رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني في الدولة، أن جهود القيادة الرشيدة في دولة الإمارات التي تحوي ما يزيد على 3250 موقعاً ومعلماً أثرياً مشكورة ومعهودة.

وتعود أعمال الترميم في إمارة دبي إلى أكثر من 40 عاماً تحت إشراف وتنفيذ بلدية دبي، وتم تتويج الجهد الكبير الذي بذل على مدى 4 عقود من الزمن في مجال الحفاظ على التراث العمراني لتصل إلى العالمية، وذلك من خلال ترميم أكثر من 250 مبنى تاريخياً في الفترة ما بين 1991 - 2020، كما أشرفت إدارة التراث العمراني في بلدية دبي على إصدار 30 كتاباً حول ترميم المباني التاريخية والحفاظ عليها.

920 نمطاً
وستبدأ بلدية دبي تنفيذ مشروعات ترميم المباني التي تنتمي إلى فئة التراث الحديث، والتي تم إنشاؤها منذ عام 1960 إلى 1980. كما أن البلدية قامت بوضع أنظمة وقوانين لتصميم مبانٍ بطراز تراثي محلي في منطقتي جميرا والجداف، والتي تستمد تصاميمها من الزخارف التقليدية والأنماط التراثية، وتم جمع أكثر من 920 شكلاً للزخارف التراثية ضمن كتاب أصدرته إدارة التراث العمراني ببلدية دبي تحت عنوان «زخارف العمارة التقليدية في دبي».

ويقول بوخش: يعد ترميم حصن الفهيدي الموجود في بر دبي أول مشروع ترميم للحفاظ على المباني التراثية والتاريخية، خاصة أن تاريخ تشييده يرجع إلى سنة 1799، واستخدم الحصن كمتحف وطني منذ عام 1971، حيث جرى ترميم هذا الحصن في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه.

وتم عمل توسعة حديثة له تحت الأرض، وافتتح سنة 1995، وتم ترميمه مرتين الأولى في عهد المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والمرة الثانية بدأت سنة 1991 وانتهت بعدها بثلاث سنوات تحت إشراف بلدية دبي، وعملاً بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في عام 2012 تم إطلاق مشروع إعادة تأهيل منطقة الشندغة لتأسيس أكبر متحف مفتوح على مستوى المنطقة، وهو متحف الشندغة، والذي يضم 192 بيتاً و16 جناحاً متحفياً، يشمل كل ما يتعلق بتراث وتاريخ دولة الإمارات، وذلك سيراً على خطى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه.

ويضيف بوخش أن ترميم المدرسة الأحمدية أعرق صروح التعليم القديم، وأول مدرسة أهلية شبه نظامية في دبي، والتي تم افتتاحها في عام 1912 يعد أيضاً من أهم المشروعات الملهمة للمحافظة على التراث العمراني تحث إشراف بلدية دبي في عام 1993، وذلك بعمل مسح معماري وترميم وتأهيل استغرق ثلاث سنوات، حيث استحدثت وحدة ترميم المباني الأثرية عام 1991 وتولت ترميم المدرسة، واعتمد الترميم منهجية العمل في مشاريع الحفاظ على المسح التاريخي المتضمن الدراسات التاريخية والمقابلات الشخصية مع المواطنين الملاك لهذه المباني، ومن ثم المسح المعماري والإنشائي للمبنى.

وأخيراً أعمال الترميم باستخدام المواد والأساليب التقليدية في البناء.

وفيما يتعلق بدور المبدعين المحليين والإماراتيين في طرح أعمال فنية وتشكيلية تدعم صون التراث والتاريخ الحضاري لدولة الإمارات، أوضحت المصممة والفنانة الإماراتية سارا الخيال أن صون التراث المحلي ضمن ممارسات الفنون البصرية يعد من أهم المحاور الإبداعية للفنانين المحليين، والتي تستفيد من تقاليد الحرف والصناعات القديمة في عصرنة التصاميم التراثية المستوحاة من البيئة الإماراتية وخاماتها المستدامة بدعم من المؤسسات الثقافية والفنية بهدف نشر الثقافية الإماراتية وتراثها عبر الأجيال من خلال تبني العديد من المبادرات والمشاريع التي تعزز الفنون والتراث الثقافي إلى جانب تنظيم المعارض الفنية والفعاليات الثقافية، والتي تعزز مسارات الحفاظ على المواقع الأثرية والتاريخية وترميمها التي نستلهم منهم أفكاراً ومعلومات لتصميم الأعمال الفنية، وهذه الجهود تساهم في الحفاظ على التراث الغني للإمارات وتعزيز دور الفنون في التعبير عن الهوية الثقافية.

أصالة الابتكار
وحول أهم المشروعات الفنية والأعمال التي قدمتها في سياق الحفاظ على المورث قالت الخيال: أحب أن أعكس هذه الثقافة التاريخية في أعمالي الفنية مثل الحرف اليدوية كالتلي، الخوص، والقرقور والسدو، وغيرها من الرموز التي تعكس التراث المادي وغير المادي المحلي والذي يلعب دوراً أساسياً في تطوير وتعزيز الفنون البصرية في دبي والإمارات، كونها تمتلك قيمة ثقافية وتاريخية تعكس الهوية الإماراتية الأصيلة.

إلى جانب كونها وسيلة محفزة على الإبداع والابتكار في المجال الفني، وفيما يتعلق برحلتي كفنانة ومصممة مليئة بالتعلم والاكتشاف المستمر، متشابكة بعمق مع الثقافة الغنية للدولة وتاريخها وفي كل مشروع أعمل عليه يقربني أكثر من فهم وتجسيد جوهر الإمارات، مما يسمح لي بسرد قصص تلامس جيلي والأجيال القادمة.

Email